ملَّ رعي الأغنام ومعاشرة الشُّعبان، فاتجه إلى البلدة، وهو اليتيم المقطوع من شجرة، ولم يجد صعوبة في إيجاد عمل، فالتحق بعمال بناء الجسر، وقد هاله ضخامة البناء، وحركة الناس، والتحدي الكبير الذي يبديه المهندسون الانكليز أمام النهر الجبار.
-يا الله.. هؤلاء ليسوا بشرًا، فمن يقدر على النهر؟! لا بد أنهم من جن سليمان.
صاح بدهشة وانبهار.
وتابع حمل الرمل والحصى والإسمنت والحديد حتى كلَّ كاهله، وكونه بلا منزل يأوي إليه، أو قريب يحتمي به، نام إلى جانب النهر، فأوكل إليه المهندس المشرف الحراسة ليلًا، فاستراح من التعب، وأحب المكان، فالجسر يرتفع، ويمتد كوحش خرافي من الإسمنت والحديد.
-سيكون أقوى من النهر.
ردد وهو الذي تعلم أن ثلاثة لا يقهرون في عالمه: النار والدابّ والنهر، وها هو النهر يستسلم، يكسر ظهره هذا البناء القوي.
وانتهى بناء الجسر، رحل الانكليز، وعاد الفرنسيون، وظل خلف بن شيحان في وظيفته يحرس الجسر، ويشعل الفوانيس للعابرين ليلًا، يأكل، ويشرب وينام هناك، يرقب الماء وأنوار المدينة البعيدة.
ورحل الفرنسيون، ولم تعد هناك حاجة لخدمات خلف الذي نسي عمره ولم ينسَ الجسر، لقد تحول إلى جزء منه ومن تاريخه، وظل يحرس الجسر بلا أجر أو تكليف من أحد، ينام في المحارس الإسمنتية التي تركها جيش الاحتلال.
ولم يتزوج خلف أو يفكر بالعودة إلى البرية، فلمن يترك إيقاد الفوانيس وحراسة الجسر إذا عاد؟!
6-حرص:
حين سمع العم حمود السجيع العجوز من جيرانه أن خطوط شركة البترول الانكليزية العابرة في الأراضي السورية، قد نسفت احتجاجًا على العدوان الثلاثي على مصر، وتعطل الضخ، وربما ينفقد البنزين من المحطات، لعب الفأر في عبه، وساوره القلق، فما عاد يهدأ، أو يستقر في مكان خوفًا على قداحته الجديدة.
فالعم حمود اشترى منذ أيام قداحة حديثة من نوع- جق مق- تعمل على القطن والبنزين بدل قداحة الفتيل، لها لهبة ذهبية رائعة حين تشتعل، ولها صوت عذب وخافت حين تشتعل، وكأنها تهمس:
-جق مق.. جق مق.
لذا أسرع إلى أقرب محطة، ليملأ قارورة من البنزين، سدها بحرص وحذر، ثم أخفاها عن عيون العائلة، وكأنها كنز ثمين.
ومرت الأيام، ثم أصلحت الأنابيب، ومع ذلك لم يفرط العم حمود بكنزه الثمين وهو يردد:
-الاحتياط واجب.
7-مشكلة:
يأتي محمود الموسى إلى العيادة