فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 1574

وشكواه الوحيدة الدائمة وجع الرأس، فالأولاد صداع، وثرثرة النساء صداع، وكثرة طلباتهم صداع، فيخيره الطبيب بين أمرين: أن يبسط يده قليلًا أو حبوب الأسبرين دواء، فيختار الأسبرين لأنه الأرخص، ولكنه لا يكف عن سؤاله الدائم:

-كيف لشيء يذهب إلى معدتك أن يشفي رأسك يا دكتور؟

فيضحك الطبيب بصفاء ثم يجيبه:

-هذه من أسرار ربك.

-جلّت قدرته.

يردد باستسلام، ثم يمضي إلى أقرب صيدلية ليشتري دواءه، وهو يلوّح بعصاه الأنيقة، والابتسامة لا تفارق شفتيه.

8-الديْن ممنوع:

أسفل عيادة الدكتور حمدي حمودة.

افتتح مصارع الصالح دكانه، ولم يكُ الرجل معنيًا بالأشياء أو البضاعة المهم عنده أن يدخن نرجيلته، ويستقبل أصدقاءه يتمازح معهم أو يروون له حكاياتهم الطريفة، ثم يحصي خطوط بائع السوس الذي يمر عليه يوميًا يقرقع بصناجاته النحاسية، ويردد أورادًا عن المشروب أقرب إلى أناشيد الصوفية، وهو يرسم على خدّة الباب عدد طاساته.

نحاس يرن، وقماش يرتاح على الأرفف، وزبائن عابرون، يسألون عن زرازير الوقت الضائع، وهو يبادل الدكتور حمدي السلام والتحية بمودة عالية، ويضحك ساخرًا من مرضاه، ويعلن عابثًا مثل سلوقي مرح، أمامه بمودة صادقة:

-من عاشر المرضى يمرض.

ثم يتابع:

-دواؤهم الوحيد الضحك يا حكيم.. فصفه لهم.

وتكررت بعد ذلك زيارات مصارع الصالح إلى حلب بحكم عمله، فذاق طعم الكباب عند"آكوب"الأرمني، ورائحة المال، وأبهة الثراء، فداخ، ثم عاد يحمل معه لوحة مكتوبة بخط أنيق"الدين ممنوع"وكأنها تعويذة سحرية تجبي الأموال وترسم الحدود بين البائع والمشتري، وتوقف نزيف الدين الموسمي المائت.

ويوم جاءه أول صديق يطلب جلابية- كالعادة- دينًا اعتذر باللوحة القائمة كحارس أبدي في صدر المكان، وتتابع الأصدقاء والعذر واحد والجواب واحد:

-الدين ممنوع.

وتابع مصارع تدخين النرجيلة غير عابئ بما يجري، وقد خف الأصدقاء، واختفى بائع السوس، وقرقعة صناجاته النحاسية، فأحس بالتعاسة والوحشة فلجأ إلى الصلاة.

وذات مساء جاءه عابر سبيل، لم يره يومًا، سلم كالدراويش وسأله كوفية بيضاء دينًا، وحين أشار إلى اللوحة، ضحك الرجل وقال:

-اعتبرها هبة أو زكاة.

فرد بحسرة:

-قلبي لا يطاوعني.

-هذا القلب خربان.

-وما أدراك بالقلوب؟!

-لأنه يطاوعك على أن أظل بكوفية وسخة وهريانة.

-اغسلها يا مسلم.

-صارت مثل الحلاوة، إذا غسلتها ذابت.

-ماذا تريدني أن أفعل؟!

-تصرّف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت