-لن نكون تجارًا مثل الحلبيين، فالحياء يأكل نصف حقنا، والقرابة تأكل النصف الباقي.. أمري إلى الله.
-آخذها؟.
-لا.
قال.. ثم استدار إلى الخلف وهو يدخن ويضحك بصفاء متابعًا:
-اسرقها يا رجل.. اسرقها، فوالله سرقتها أحلى من العسل على قلبي. ثم قام إلى اللوحة يدوسها بقدميه.
ولم يمت مصارع الصالح من الجوع، على العكس ظل يدخن بشراهة، ويضحك بشهية، وكلما يئس من استيفاء دين من ديونه كتب إلى جانبه في"خزائن الله".
وبعد الاختفاء الذي لم يفهمه أحد للوحة، عاد بائع السوس بصناجاته النحاسية وقلمه الثخين الذي يضعه وراء أذنه، وامتلأ الدكان بالأصدقاء وأنفاسهم التي افتقدها مصارع طويلًا.
9-أسلاف:
كان أسلافه ثلاثة أخوة.
أكبرهم عمل خازنًا للأسرة، تصب أموالهم في جراره الفخارية، فلا ترى النور إلا لأمر جلل، فورَّث نسله البخل والبلاهة وحب الرنين، واعتنى الأوسط بالقهوة المرة والمضافة، والجلوس إلى الناس، فنزر نسله، وقلوا، ولم تفارقهم العنجهية وحب الوجاهة، والتقرب من المسؤولين، وذوي المناصب العالية.
أما الأصغر
-حليلة الأسرة، وزيرها، فقد علق بعشق الخيل الأصائل والنساء والسماع في مجالس الطرب، فكان منه أجواد الأسرة، ومجانينها، وقد زاد عليه الأحفاد هواية الصيد.. فقل ما بيدهم من المال.
عالم الأسلاف هذا، قد مضى، ولن يستعاد.
ملاحظة…: وجدت هذه الورقة في كتاب قديم باعه الورثة.
الكاتب
10ـ ثورة في خان:
أبو عزيز من الظرفاء المميزين في حارتنا.
له عادات غريبة ولطائف عجيبة، يتحفني بها في لقاءاتنا المتفاوتة، فهو يعرف مدى حبي لسماع الحكايات وكتابتها، وله تعليقات ساخنة أحيانًا على ما أكتب.. كأن يقول:
ـ حكاياتك عن فلان بهاراتها كثيرة.. يا أستاذ.
أو يقول:
ـ نحن لسان، وأنت لسان وقلم.. لهذا أنت الرابح.
ـ أنت البركة"أبو عزيز".
ـ هذا تطييب خواطر أستاذ.
ويمضي ضاحكًا في السوق، يمارس هوايته الأثيرة، فيشرب كأسًا مثلجًا من"العيران"عند البيراوي، ثم يتابع طريقه، وكلما وجد قطعة من الحديد، رماها على أول سطح بناء يقابله، وإذا لم يجد حديدًا، تناول أيَّ شيء أمامه وطوَّح به عاليًا، فحربه المقدسة هذه قائمة. ولا نهاية لها.
ويوم ورث الرجل قطعة أرض قريبة من"بازار الأغنام".