بناها قاووشًا مستطيلًا من اللبن والتبن، ثم سَبَطَهُ بأغصان الشجر وأعمدة التوت وسماه"خان أبو عزيز"، وقد فرح به كثيرًا، وحوَّله إلى مستودع لخردة الحديد، وزاد، فجاء بزوج من الأرانب، تكاثر بجنون، ولأنه يحب كل شيء رخص ثمنه جاء بالإوز والدجاج والخراف والماعز، فأصبح للخان شهرته، فبات يضرب به المثل، وأبو عزيز ماهر في تصريف بضاعته لزبائن فقراء، يربح منهم مالًا، ولذَّة كبيرة، هي لذة التجارة.
ثم حدث بعد ذلك ما حدث.
فلقد انفجرت ثورة عاصفة في الخان، اقتتلت فيها كل مخلوقاته، حتى تحوّل المكان إلى مسلخ دامٍ، فنفق معظم الأرانب والخراف والإوز والدجاج، وكانت الأصوات تصل إلى أطراف البلد، دون أن يأبه بها أحد، أو يهتم لها مخلوق فالخان لا بدَّ تسكنه الجن.
وقيل سبب ذلك حصان أودعه صاحبه عند"أبو عزيز"فجن جنونه في الليل، وقيل كلب سائب دخل الخان فأثار الحيوانات، وكان سببًا في تلك المجزرة المروّعة، وقيل سببه طاووس جاء به من الشرق، وقيل.. وقيل.. ومع ذلك ظلَّ أبو عزيز، يذكر تلك الثورة بحزن سرعان ما يتحول إلى سخرية مريرة.. قائلًا:
ـ المهم ما زال الخان موجودًا، والحديدات موجودة، والباقي من السهل تعويضه.
ثم يعقب:
ـ ما لي وللحصان والطاووس!! الأول مجنون والثاني مغرور مثل إبليس.
وقبل وصوله إلى البيت، يتوقف قليلًا ليتناول كسرة خبز يابسة، يقبلها بحب واحترام، ويمررها على جبهته، ثم يضعها على مكان عالٍ، حتى لا تطأها الأقدام.. فالخبز مقدس.
11ـ رأيت غجرًا غير سعداء أيضًا:
في أواسط الخمسينات.
وخلال الانتخابات الأخيرة إلى المجلس النيابي، اخترع أحد المواطنين الخبثاء مواطنين حددًا، استطاع الفوز بأصواتهم في معركته الانتخابية دون عناء، وبأقل التكاليف المادية، فالمدعو طارق أبو ربيع رجل من أسرة ثريّة، لكن ليس إلى حد البطر، ولأنّ أسرته قليلة العدد أمام تحالفات العشائر التقليدية، لا تسمح لأمثاله باختراقها، وإلا دفع ثروته وثروة العائلة دون جدوى، فأطلق حكمته:
ـ من خانه العدد لا يخونه العقل.
من هنا ولدت فكرته، فإذا كان بعض شيوخ العشائر يشتري الصوت بخمسين ليرة، فهو يستطيع شراء أصوات أناس بعشر ليرات، والصوت في الانتخابات صوت سواء كان لشكري القوتلي أم لعتال في سوق الأغنام.
ـ ولكن أين يجد مثل هؤلاء الناس؟!