وبالتواطؤ مع قائد فصيل الدرك ومأمور النفوس، استطاع طارق أبو ربيع تسجيل غجر البلدة وقرباطها وكاوليتها في السجلات الرسمية كمواطنين ـ كانوا مكتومين ـ فاستلموا هوياتهم ومع كل هوية عشر ليرات جديدة تذبح الديك، ثم انصرفوا بعد الإدلاء بأصواتهم، في تجمع أدهش الناس وأصاب المرشحين بالفزع.. فصاحوا:
ـ لقد فعلها ابن ربيع..
وبعد شهرين من فوز الرجل بكرسي النيابة.
بدأت دعوات السوق إلى خدمة العلم، تتوالى على الشباب لمن هم في سن التكليف، أو دفع البدل النقدي الباهظ بالنسبة إلى أمثالهم من الفقراء.
وجُنَّ جنون الغجر.
ففارقتهم السعادة، وليالي السهر الطويلة، وساقهم عسكر قساة إلى مراكز التجمع والتدريب في حلب، وبدؤوا بشتائم طالت قائد الفصيل ومأمور النفوس، والنواب، والبلد الذي خدعهم وغشَّهم، ومع هذا لبسوا ثيابهم العسكرية، وتسلموا البنادق بعد أن حلقوا رؤوسهم، فظلّوا كلما سمعوا اسم طارق أبو عزيز، ينقزون كالملسوعين، مطلقين شتائم لا تنتهي.
12ـ من حكايات قُوَّام المقام:
* الحكاية الأولى:
إبَّان الاحتلال الفرنسي
عيَّنت حكومة الاحتلال قائمقام على البلد، وكان الرجل مدمنًا على الشراب لا يصبر عليه، ولا يستطيع فراقه، ولأنَّ المستشار الفرنسي أسبق منه في المنطقة، وأكثر خبرة ومكرًا، علمه حيلة يحقق بها مرامه، دون حرج أو خوف.
فقد اتفق في سهراتهم الليلية مع صاحب مطعم المنتزه الأرمني، الذي يفدان عليه، وهو الوحيد في البلد، أن يقدم لهما الويسكي المفضل عند القائمقام في إبريق شاي من الصيني، يسكبه في الفنجان فيظنه الناس زهورات، وقد سأل الزبائن جوزيف منكلو صاحب المطعم عن سرّ الزهورات هذه، قائلين:
ـ ألن يشفى البيك من الزكام؟!
فردَّ هامسًا:
ـ يقولون إن زكامه لا شفاء منه، لكنه لا يعدي.
ولم يستطع جوزيف منكلو إخفاء السر، فباح به لبعض الوجهاء المأمونين فكانوا يهمسون في أذنه:
ـ هات لنا من زهورات القائمقام.
فيضحك.. ثم يردد ساخرًا.
ـ كنت أظنَّ أن زكامه لا يعدي.
فيبتسمون بخبث، وقد لمعت عيونهم كالأرانب.
* الحكاية الثانية:
حين جاء لطفي بك بذّة قائمقام على البلد
أواخر العهد العثماني، كان الرجل مغرمًا بركوب الحمير، فهو يكره الخيل لسرعتها وجموحها، والبغال لعنادها وطباعها السيئة، والجمال لخلقتها الهائلة.
وكونه رجلًا عجوزًا، لحيمًا في الستين من عمره.