اشترى حمارًا"شهريًا"من بعض الصلُبة الذين اشتهروا بتربية هذا النوع من الحمير الفارهة، وقد زيّنه، فاشترى له"جلالًا"فاخرًا من الجلد والمخمل، وركابًا مفضّضًا.
وفي الصباح، ينطلق الرجل بحماره نحو دار الحكومة"السراي"، منتصب الصدر، منفوخ الوجه، بطربوشه الأحمر ونياشينه، وحين يصل إلى مسافة قريبة من السراي، يطلق الحمار صوته بنهيق صاخب، فيستعد الحرس، ويتقدم براكبه، وسط المراسم المعتادة، فيتوجه القائمقام إلى مكتبه، بينما يقود سائس خاص الحمار إلى أصطبله.
* الحكاية الثالثة:
مصطفى بك قائمقام غريب الأطوار
له فلسفة خاصة، لا يبوح بها إلاَّ للخاصّة.. فيقول:
ـ الحكاية في هذا البلد خبز الفقراء، وصديقة لياليهم الطويلة، وفاكهة تعلولاتهم، يتفنن العجائز في سردها، وأسطرتها، وتخريفها كأمهر الرواة، يأكلونها"أدامًا"مع الخبز، ويشربونها مع اللبن الرائب، ويضجون بالاستحسان حين يشاركون في الخديعة، إنها حديقتهم السرية وكذبتهم المبررة والمفضَّلة دائمًا.
لذا لم يكن مغرمًا بشيء قدر إغرامه بهذا النوع من الكذب ورواية الحكايات الخيالية، التي يختار لها مسرحًا في الهند أو الصين، قرأ رحلة ابن بطوطة وحكايات ألف ليلة وسواها.
ولأنّ البلد يقفر من السكان في الربيع، كان يرحل معهم إلى النجعة في البادية وفي الليل يبدأ حكاياته التي يكون دائمًا بطلها، والساهرون في المجلس، يرمقونه بإعجاب ولذة وسط دخان التبغ ورائحة القهوة وضوء القناديل، وكأنه كائن من عالم آخر.
وفي الصباح.
يعترف لهم بكل صراحة، أن كل ما رواه لهم لا أصل له، فيهزّون رؤوسهم غير مصدّقين، مطالبين بالمزيد، فالحكاية الساحرة لا يهم صدقها من كذبها المهم أن يكون الراوي موجودًا.
13ـ فساد الملح:
آخر النهار يعبر المارّة.
من عمال مياومين عائدين، وماسحي أحذية صغار، ويتابع مربّو الحمام طقوسهم اليومية في مراقبة حركة الطيور، وكأنهم في مهرجان للألوان والريش والمناقير المقدسة والخرز الملون.
ويبدأ جابر الحامدي نفثاته التي ظلت آخر ما يتحرك فيه، هي القلب من ذلك الماضي الذي عاشه.. يندفع قائلًا: