ـ كل صيف من كل عام، كانت قافلة الملح تنطلق، باتجاه بحيرة الجبول، تباري الفرات حتى لا تموت عطشًا، مجموعة من الرجال القساة، في فورة شبابهم، وذروة تألقهم، تبدو الخشونة في حركاتهم، والرجولة في سواعدهم وأصواتهم، يحملون أسلحتهم، وأكياسهم الفارغة، على ظهور أباعرهم القوية، ويمضون في طريق وعرة، يهتدون بالنهر والنجوم، يسمونها بأسماء ورثوها عن أسلافهم، فهذا درب التبانة، وذاك مسحال الكبش، ونجم سهيل، وعند المساء، يختارون تلعة مفردة، أو نشزًا من الأرض، يوقدون نارهم ويتقاسمون طعامهم الشحيح من إقط جاف وتمر أو صميل، وهم شاكرون، ثم يتناوبون الحراسة، وقد أرخوا لخيالهم العنان ذاكرين حبيبات بعيدات أو زوجات عاشقات، وهم يصيخون السمع لكل نأمة أو حركة، خوفًا من تسلل عدو غادر، أو لص فاتك، أو دابّ، والدروب تتشابك ثم تفترق كأصدقاء لا يلوون على شيء، ولكي يخففوا من وطأة الطبيعة، وقسوة الصمت، تتردّد أغانيهم الحزينة على ضفاف الفرات، تدخل أدغال الغَرَب والطرفاء، وتلوذ بالجروف العالية، أو أقراط السوس البنفسجية، وقد تختلط بطمي الماء الأحمر، وحول النار لا يجدون غير حكايات الرجال وأيام القبائل والثارات، يقتلون بها الوقت والغبار والخوف والشمس التي تشوي البيضة، وتُسقِط مخَّ العصفور بنيرانها التي لا ترحم. رجال ملثَّمون على أباعرهم القويَّة، يخلفون النهر وراء ظهورهم، ويستقبلون الحماد معرّضين للنهب أو الموت، وحلمهم الوصول إلى بحيرة"الجبُّول"حيث الملح، ونهاية المطاف، ليملؤوا أكياسهم بالذهب الأبيض وسرَّ الحياة، ويرجعوا إلى ديارهم غانمين، غير عابئين بكائن، فالحياة بلا ملح لا طعم ولا معنى لها، ثم انتهى كل ذلك.
ـ وكيف انتهى؟!
سأل الشاب الجالس أمام جابر الحامدي.. فردّ:
ـ كما تنتهي كل الأشياء الجميلة.
ـ لا أفهم.
ـ بالموت.
ـ الموت؟!
ردّد الشاب.. فتابع الحامدي:
ـ نعم.. فالزمان يموت، والمكان يموت، والإنسان يموت، والفرات الذي تراه سيأتي يوم ويموت فيه هو الآخر.
ـ أنت تقول كلامًا غريبًا.
ـ اسمع.. يوم جاء التجار من حلب، وفتحوا مغازاتهم ومتاجرهم مات ذلك الزمن الجميل، حيث توقفت القوافل عن الرحلة، فالملح يأتيك إلى بيتك... فعلامَ الرحلة؟! أولاد الحرام قتلوا ذلك الزمن.. وقبلنا بذلك.
وسكت جابر الحامدي.. والمكان يتحول إلى زمان سائل لا طعم له، ثم هبَّ واقفًا، وسار نحو المخرج.
14ـ بطل من هذا الزمان:
كان يحب الثرثرة.