ويجيد اختراع القصص الطريفة عن قريته، ويجيد الانحناء والتلوّي كذبابة ماهرة، دأب على ذلك، حتى تحصَّل على وظيفة هامة، فاستكبر على مَنْ هم دونه، وتضاءل أمام مَن هم أعلى منه، ولأنه ظن نفسه بطلًا من هذا الزمان، تباهى، وفاخر، حتى خافه الأدنون قبل الأبعدين، ثم أعلن عن مكتبة من العطر وربطات العنق والأقلام الذهبية.
ويومًا فاجأه مجيء المدير العام، فاستعد له، فرسم ابتسامة خاصة، ألصقها على شفتيه، ثم اختار أكثر الألوان صخبًا في ثيابه، فبدا مثل ببغاء مكسيكي ساخر فرّ من قفصه، أو مهرج يمثل دورًا مضحكًا في مسرحية هزلية، يمارس فيها الثرثرة والدوران.
وجاء المدير العام وحيدًا في سيارته، لأنه كان يؤمن بالعزلة وعدم الاختلاط بالناس، ولا رفيق له سوى كلبه المدلل، يستمع إلى نباحه اللطيف طوال الطريق، وهو يربت على رأسه، ويشكر الله على نعمة الشراسة التي يحملها في دمه.
ـ تغيب طويلًا؟!
سألته زوجته.. فردّ:
ـ حسب الظروف.
قال لها، ثم انطلق.
ولأن الطريق كان طويلًا، وصل الرجل المهم متوترًا، وحاقدًا على المهمة والبرد والبلد، فاستقبله مرؤوسه بحرارة، عدَّها رفع كلفه وقلة تهذيب، فازداد هياجًا، وتمالك نفسه، ولم ينتظر، فقد قرر ألا يضيع وقته، فدعا الرجل إلى الانطلاق معه في مهمته، التي جاء من أجلها فالنوم في حلب سيكون أكثر راحة له.
وانطلق الرجلان في طريقهما إلى المشروع لمعاينته، وقد جلس الموظف إلى جانب المدير العام، والكلب في الخلف، ومثل سيل اندفع الموظف المذكور في ثرثرته، وحكاياته السمجة. فالتفت إليه المدير العام قائلًا بنزق وهو يوقف السيارة:
ـ عجل في كلامك، فالكلب يشعر بالبرد، ويجب أن يأخذ مكانك.
ـ أمرك سيدي.. فلا أريد أن يمرض كلبك بسببي.
وفتح الباب ليعود إلى المقعد الخلفي، بينما قفز الكلب إلى جانب، وساد الصمت في الداخل إلاَّ من نباح الكلب الخفيف، وأصابع المدير تربت على رأسه، وقد عادت الابتسامة إلى شفتيه.
15ـ حكاية حبّ ساذجة:
في الحارة سكن عروسان شابان عاشقان.
عرفت بحكاية حبهما الحارة، كان الرجل يدعى عارف، والمرأة"دونا"، وكانت طبيعة عمل الرجل، تتطلب الغياب أيامًا عن البيت، فهو بائع دوّاج، يرحل ببضاعته الرخيصة إلى القرى، يقايض ما يحمله من بضاعة على حماره بالصوف والسمن والقطن.
ـ عارف.. لن تغيب طويلًا؟!
ـ ستظل روح عارف تحرسك.
حوارية قصيرة تدور بين عاشقين.