فهرس الكتاب
نمت سعيدًا في تلك الليلة ولم أصح إلا في التاسعة على صوت حركة الشارع القريب، كنت وحيدًا في الصالة لم يشأ أحد إزعاجي في تلك الساعة، حينما أحس من في البيت أنني استيقظت، قادتني نيلام إلى الحمام، وحين عودتي كان الإفطار الشهي في انتظاري. كان راكيش قد خرج إلى عمله منذ الثامنة، وزوجته مشغولة بأطفالها وليس سوى أنا ونيلام التي بالغت في العناية بي لدرجة أنني طلبت منها الكف عن هذه المبالغة فلست غريبًا.. كانت ترتدي لباسها الهندي -الشروال والفستان السماوي.. ثم الشال الخفيف الأبيض، تتحرك كالنحلة تملأ علي الأفق محبة وسعادة..
كان من المقرر أن أغادر أغرا في الحادية عشرة صباحًا من ذلك اليوم ولكن نيلام أصرت أن أبقى حتى مجيء راكيش وهي تقول بدلال الأنثى وحنانها: -سيحزن راكيش إذا رحلت دون أن تراه.. ألا تستطيع البقاء حتى الظهر، ألا استحق منك أن تؤجل رحيلك لساعتين؟ أنا أرجو منك البقاء.. أليس لرجائي أهمية عندك؟
-حسنًا.. تعلمين أن أعمالًا كبيرة تنتظرني، يعز علي فراقك.. ولكن كما ترغبين سأبقى حتى عودة راكيش..
بدت سعيدة وقد عرفت تأثيرها علي.. قادتني من يدي إلى الشرفة المطلة على الحديقة الداخلية.. حيث أجلستني على الكرسي وأنا منقاد لها دون أن أبدي مقاومة.
أحضرت لي الشاي من جديد وبعض الحلويات، وجلست إلى جانبي وسألتني فجأة:
-ألا تفكر بالرحيل من الهند؟
نظرت إليها مليًا: -لا أفكر بذلك الآن، عندي عمل كثير يتطلب مني البقاء لأشهر أخرى، وأنت جزء هام من عملي، لن أرحل قبل أن أسوي كل شيء هنا؟
أطرقت خجلى، كنت أعرف أن أسئلة كثيرة تتوارد في ذهنها، لم تتمكن من طرحها حتى الآن سألتها: -ألم تري بلدانًا غير الهند؟
-لا.. قال لي راكيش قبل أيام"البلدان الأخرى متعبة، الحياة فيها معقدة وتحتاج لصبر دؤوب وعمل متواصل ليعيش فيها الإنسان..".
-يقصد بذلك الدول الصناعية الأوروبية وأمريكا، ولكن الإنسان المتفوق له حقوق كثيرة هناك..
وهكذا انتقل الحديث بنا إلى أمور شتى، وكان له طابع الجدية، وبدت نيلام مهتمة بفحواه.. ولم يقطعه سوى وصول راكيش الذي أبدى سروره لوجودي، وإصرار نيلام على إبقائي. ثم استأذن ليغير ملابسه وشدتني نيلام من يدي لندخل البيت، فاحتويتها بين ذراعي وسرحت أصابعي على وجهها وعنقها وظهرها قبل أن تلتقي شفاهنا.. انفلتت مني سكرى وهي تغمغم: -سأعد السفرة..