فهرس الكتاب
ـ"أرجوك احضر بسرعة. نيلام بحاجة ماسة أن تكون إلى جانبها"، كانت البرقية مذيّلة باسم (راكيش) ...
بالطبع لم أتردد كثيرًا في توضيب حوائجي والاتجاه صوب (مركز الحافلات) ، لأستقل حافلة إلى أغرا... وفي الطريق التقيت مع أسعد البصراوي... الذي أوقفني وأنا فوق الريكشا، كان أسعد يدرس الهندسة في جامعة اليغار، ولم يكن يلتزم بالدراسة كان يعيش وقتًا ضائعًا وقد وردته أخبار عن موت أخيه الذي جرح في الحرب العراقية الإيرانية. حاولت أن أخفف عنه، ولكنه ألزمني بالذهاب معه إلى منزله لبعض الوقت:
ـ أرجوك أنا أعاني كثيرًا...
ـ وأنا على موعد مع صديق في أغرا لا أستطيع أن أتأخر عنه.
ـ ماذا أفعل؟ كل الأخبار محزنة، لأخي ستة أولاد، أكبرهم في الصف السادس الابتدائي... لا تعلق. نحن شعب نحب الأولاد ونباهي بكثرتهم. كيف سيعيش هؤلاء اليتامى؟ ومن سيعيلهم؟...
ـ الدولة ستتكفل بهم. هذا ما يجب أن يطبق.
ـ لن نأمل كثيرًا.
أفرغ محتوى سيجارةَ من الدخان فسألته:
ـ ماذا تفعل؟ أليست سيكارة حشيش؟
ـ أنا أهرب من واقعي.
ـ ولكنه هروب للانتحار... الإدمان يعني الموت.
ـ اتركني في همي. لن تقنعني بالتخلي عن هذا النوع من الهروب.
ـ آه يا إلهي. كم أشفق عليك. ما أخبار هادي، أما زال متعلقًا بتلك الفتاة من موريشيوس؟
ـ هادي في وضع أقسى من وضعي، إنه يعيش حالة إضافية من الحزن إن (فينا) الموريشيوسية كانت محورًا في حياته، ولكن عائلته تشتت أيضًا، رفض بعض أخوته المشاركة في الحرب فقتلوا، ونكلوا بأسرهم...
ـ ولم رفضوا الاشتراك في الحرب؟
ـ يعتبرونها حربًا غير مبررة. لهم وجهات نظر مثل كثير من الناس عندنا.
ـ أمعقول؟ أنتم تعانون من ضياع لن تكون نهايته سعيدة.
ـ آه. أتمنى لو أموت.
سمعنا طرقًا على الباب: ـ إنه هادي بالتأكيد.
قلت: ـ سأفتح الباب.
كان هادي فعلًا ضمني إليه بحزن: ـ منذ زمن لم أرك أين أنت؟ تشترك معي في استئجار شقة في دلهي، ولا أراك، ولا أرى آثارك...
ـ أنا مشغول هذه الأيام في كتابة الأطروحة.. ماذا تفعل أنت؟...
ـ ألف سيجارة، هل تشاركني في تدخينها..
ـ لا.. لا يا هادي... هذا طريق غير صحيح للهرب من الواقع.
قال متنهدًا: ـ إنه الطريق الوحيد الذي رأيت بابه مفتوحًا لي. أنا أتعذب.
انفجر يبكي: ـ ليتني أموت.