أبدًا مشاعره لم تكن بالود نفسه وهو يستعيد أيام دراسته الابتدائية في مدرسة الراهبات الناصرية، وكيف رفض أن يتزحزح من مقعده في الصف الأول، عندما طلبت منه معلمته ذلك، لتجلس مكانه زميلًا له بلا سبب باستثناء أن والده يعمل في مركز حكومي مرموق. وكيف لاحظ رغم صغر سنه آنذاك أن أبناء وبنات الأغنياء يحتلون الصفوف الأولى، وأبناء الفقراء في الصفوف الخلفية، ورغم عناده الذي اندهشت له معلمة الصف فإن الألم الذي اعتصر أذنه من ضغط أصابعها دفعه إلى النهوض والامتثال لأوامرها في الجلوس في مقعد آخر. صحيح أن والده لم يكن من أثرياء المدينة أو ممن يغدقون في تبرعاتهم الخيرية، و لكنه كان رجلًا مهنيًا محترمًا في أوساط العائلة، وبين معارفه وأصدقائه، إلا أن عمه في المقابل كان من كبار التجار المعروفين يمتلك عقارات وأراض شاسعة يجهل مكان بعضها..وكان يحرص على كسب ود رجال الدين والمساهمة في مشاريعهم الخيرية، إلا أن ذلك كله لم يشفع له أمام معلمته التي لم يعرف حتى اللحظة سببًا لسلوكها ذاك وتمييزها الذي لم يمح من ذاكرته رغم مرور السنوات الطويلة.. تلك الصورة لازمته وهو يحسب ما عسى أن يكون تصرف لمى معه، وهو المعتد بنفسه بين أقرانه..هذا أسلوب سخيف لا يقبل به .
ونهض متأبطًا كتبه وتوجه إلى كافتيريا الجامعة حيث تنتظره شلة من رفاقه الذين بادروه الاحتجاج على تأخره عن موعده معهم..كان النقاش صاخبًا حول مؤتمر اتحاد الطلبة وتقييم الأسماء التي طرحت نفسها، لانتخابات الهيئة الإدارية لفرع الاتحاد، وممثلي المؤتمر العام، الذي تقرر عقده في الصيف القادم. القوى السياسية النشطة في القطاع الطلابي تسعى لكسب العناصر المستقلة، وعلى الرغم من أن البعثيين يمثلون المفتاح الرئيسي لإنجاح أية قائمة طلابيه، إلا أن التعليمات الحزبية المشددة في التحرك والنشاط، ومتابعة التطورات والمتغيرات, واتجاهات التيارات الأخرى مهمة ضرورية لدرء أية مفاجأة أو خطأ في الحسابات قد تقود إلى هزيمة لا يمكن قبولها وسيحاسب المسؤولون عنها.