انسحب من الجلسة معتذرًا لإعداد كلمته التي سيلقيها في المؤتمر وعلى باب الكافتيريا التقى زميلته مريم البحرانية بابتسامتها الرقيقة المعهودة، حيته بحرارة وذكرته بحفلة عيد ميلادها ليلًا..
_ لا تنسى الموعد اليوم، الشلة بانتظارك..
_ وهل يمكن أن أنسى يومًا سعيدًا كهذا..؟
_ يهمني أن تكون أول الحاضرين.
_ في الثامنة مساء سأكون في حضرة الأميرة الخليجية..
وافتر ثغرها عن ضحكة عالية لبث صداها في مسامعه وهو يدلف باب الجامعة الخارجي متوجهًا إلى موقف الحافلة التي تنقله إلى بيته.. أوشكت أشعة الشمس أن تلملم خيوطها عن الذؤابات العالية لأشجار الكيناء، على جانب الطريق النازل والمصطفة بهندسة رائعة، وكأنها أضحت جزءًا من المتحف الوطني المقابل لها، بينما تترقرق ساقية مياه جارية فصلها بردى عنه لتنساب بحرية وهدوء وتبعث في النفس شعورًا غامضًا بهيجًا ربما هو سر من أسرار هذه المدينة الجميلة التي تأسر العابرين فيها..
كانت الحافلة تكتظ بالراكبين معظمهم من طلاب وطالبات الجامعة وقد وجد مقعدًا بصعوبة، هيكلها الخارجي، ومقاعدها القديمة يستدل منها أنها تعود إلى الخمسينات، وتتهادى في مسيرها كحصان أشرف على نهاية الخدمة.. اجتازت الحافلة محطة الحجاز والقصر العدلي، وعبرت سوق مدحت باشا المسقوف بصفائح الحديد، حيث تنتشر روائح البهارات القوية المنبعثة من محلات العطارة، التي يشتهر بها. ومن نهايته عبرت حارات دمشق القديمة حتى الباب الشرقي خط سيرها الذي لم يتغير منذ عشرين عامًا حسب تقديره.. منذ صعوده إلى الحافلة وحتى نزوله إلى بيته في جادة جعفر اختلطت في ذهنه أفكار مبعثرة.. الهدية التي سيختارها لزميلته البحرانية.. قلم، كتاب، كنزة، البوم صور.. هي تعرف أنه لا يستطيع شراء هدية غالية الثمن وهي لا تحتاج شيئًا ومصروفها الشهري يعادل ما ينفقه في عام.. سيلف القلم بأوراق زاهية كثيرة كي تبدو هدية كبيرة، وعندما تفتحها ورقة بعد أخرى ستضحك كثيرًا وهذا ما يسعدها.. لينسى إعداد الكلمة اليوم وهموم المؤتمر والانتخابات فمناسبات المرح واللهو لا يستطيع إغفالها فكيف إذا كان عيد ميلاد زميلته الرائعة..
ودخل غرفته.. وتناول قصاصة ورق مدسوسة من شق الباب التقطها بلهفة.. لا أستطيع أن أراك اليوم، الياسمينة ستبقى وحيدة لن أعبث بزهورها التي تحبها أتمنى لك وقتًا سعيدًا.. أميرة..