طواها بحنو في جيبه واستلقى على سريره، ثمة شعور بالكآبة تسلل إلى نفسه.. نظر إلى السقف الخشبي، والجدران الصامتة ولوحة قديمة لحارة دمشقية تشعره بألفة غامضة.. الزقاق الضيق والبيوت المتقابلة تعانق بعضها بعضًا.. والباب الخارجي الصغير يقود إلى فناء واسع تتوسطه نافورة رخامية رائعة ينسكب ماؤها الفضي في الحوض المرمري وكأنه من عشرات السنين لم ينقطع، أشجار الليمون والنارنج تظلل الغرف المتجاورة وكأنها شيدت أيام الأمويين أو العباسيين.. أما أكثر ما يثير دهشته، تلك الياسمينة المعلقة على السطح تنشر روائحها العطرة مع كل هبة هواء .كم يحب أهل هذه المدينة.. أشجار الياسمين.. كأن هناك علاقة سحرية بينها وبينهم. في ظلها تنتظر حبيبته حتى تستقبله بابتسامة وترميه بضمة من زهورها البيضاء الغضه..
إنه محظوظ بلا شك بالسكن عند هذه العائلة اللطيفة التي تجاور بيت حبيبته، لم يشعر يومًا أنه غريب بينهم، و لم تمر فترة قصيرة حتى أحس أنه فرد منهم.. ليس صحيحًا ما قيل يومًا أن العائلة الشامية منعزلة أو متزمتة.. فالعادات والتقاليد متشابهة ولا توجد فروق تذكر.. لو كانت معه أميرة في الحفلة الليلة.. كم يكون ذلك جميلًا.. لابد أنه سيكون محط غيرة الجميع.. فوجهها يزيده انجذابًا كلما نظر إليه.. وعيناها لا يمكن لأحد أن ينجو من أسرهما، وشعرها المنسدل على كتفيها لا يستطيع مقاومة إغراءه، وابتسامتها تنثر فراشات ملونة في كل اتجاه، أما صوتها الساحر وحديثها المشبع بثقافة عالية تجعلها فتاة استثنائية بكل المقاييس.. ربما يكون ذلك مبعث الرقابة الدائمة التي تفرضها العائلة عليها.. هو لا يعرف تمامًا ذلك السر الخفي الذي يهز كيانه كله كلما التقى بها، كثيرات هن صديقاته ولكنها وحدها تأخذ كل تفكيره، لا يعرف تفسيرًا لذلك إنها مشاعر تنغرس في الذات لا تحتاج لمقاييس من أجل فهمها..