فهرس الكتاب
تتقن الفرنسية والإنجليزية أكثر من العربية. أرسلها والدها إلى مدرسة داخلية في بيروت محصورة بأبناء النخبة من طبقة الأثرياء والأمراء والشيوخ ولم يكن يرغب بعد أن أنهت دراستها الثانوية أن تلتحق بجامعة دمشق، إلا أن والدتها أصرت على ذلك لتبقى قريبة منها.. الخدم والحشم رهن إشارتها، ومربيتها الفرنسية، ومعلمتها العزف على البيانو، ترافقها في أكثر طلعاتها خارج البيت، ورغم أنها تحتفظ بصور"غيفارا"إلى جانب صور ممثلها المفضل"الان ديلون"وتحفظ عددًا من الجمل الثورية إلا أن ذلك ليس إلا نوعًا من ممارسة ترف فكري مختلف، نمط من أنماط السلوك المغاير لوضعها العائلي، هو متأكد أن انجذابها إليه لا يعدو مرحلة عابرة سرعان ما تنسى أمام حقائق الحياة.. ألقت رأسها على كتفه وهو ساهم لا ينبس بكلمة.. لماذا تتداعى كل هذه الأفكار في مخيلته في هذا الجو الرومانسي الحالم .
كثيرون يتمنون أن تتحدث معهم مجرد حديث، وهي تغفو بين يديه على حلبة الرقص، وحرارة جسمها تلفح جسمه كله بحنان ونشوة.. لو كانت أميرة معه الليلة لانصهرا معًا، وذابت كل الفواصل التي تحد من علاقته معها.. ومع صوت الأغنية الفرنسية"الثلج يهطل"صمتت الوشوشات والهمسات ولم يعد هناك سوى قلوب تخفق وأقدام تنتقل بخفة و بطئ، وعيون حالمة، ترجو أن يستمر ذلك، لوقت طويل.. وفي اللحظة التي انتهت الأغنية، انطلقت الموسيقى سريعة الإيقاع، وانسحب الجميع إلى ركنهم في الصالة إلا مايا التي لم يجد بدًا من مجاملتها في رقصتها المفضلة والتي لا يعرف من حركاتها إلا القليل مما دربته عليه وهي التي تعشق لحن"الدانوب الأزرق"لشتراوس، والتي لا يمكن لها أن تنتظر موافقته.. كانت تلف وتدور وتنقل خطواتها بخفة فراشة ربيعية، حاول مجاراتها وكاد أن يكمل الرقصة لولا تعثره وسقوطه على الأرض ساحبًا إياها معه، ولكن سرعان ما رفعته وسط ضحكة مجلجلة أنسته خجله وارتباكه وتابعت الرقصة، لم تسمح له حتى بالاعتذار.. كانت لاهية وسعيدة وردت تحية الساهرين الذين صفقوا لها بحرارة، بابتسامة وادعة بينما أفراد الشلة يصفرون ويصيحون.. برافو.. برافو مايا..