فهرس الكتاب
لم يجد تفسيرًا مقنعا لارتباط كثير من زملائه بفتيات أوروبيات.. هل هي الظروف وحدها أم الفارق الثقافي والحضاري أم سهولة الزواج وخلوه من الشروط القاسية التي تفرضها تقاليد وعادات مجتمعنا.. وهل تستطع الفتاة الأجنبية أن تتكيف مع واقعنا المختلف؟ إنه يشك في ذلك.. ورغم أن حميد أكد له العكس، لكن حسب معرفته نادرًا، ما يستمر هذا الزواج، إلا إذا اختار صاحبه حياة الاغتراب.. لا يستطيع أن يقنع أن فتاة من بيئة مختلفة كليًا يمكن أن تتعايش مع مناخ اجتماعي محاصر بمورثات وأعراف ليس من السهولة تجاوزها.. إن في ذلك مغامرة غير مضمونة النتائج ..
انحدرت السيارة من ظهر البيدر نحو سهل البقاع وبدت كروم العنب والتفاح والكرز منتشرة كواحات خضراء في حوضه الفسيح، رغم تساقط كثير من أوراقها المصفرة مع رياح الخريف.. تسحره المناظر الطبيعية وتبعث في نفسه نشوة غامضة.. لا يدري لماذا طلب من السائق هكذا دون مقدمات أن يسرع رغم أن المسافة إلى دمشق تعتبر نزهة قصيرة.. ولم تسعفه بديهته بالإجابة على استغراب رفاقه.. لزم الصمت، وإن انتابه الخجل قليلًا.. هم لا يعرفون دواخل نفسه، فالأيام الثلاثة التي قضاها بعيدًا عن مدينته حسبها طويلة.. وكأن بالزمن ليس مجرد تتابع أيام وشهور، و إنما الإحساس به، وما يتركه في نفسه من مشاعر وانفعالات.. لشد ما يتوق إلى دمشق.. هناك من ينتظره على أحر من الجمر، إنه لا يحب هذه العبارة المكررّة.. لم يترك واجهة محل في شارع الحمراء في بيروت إلا وتأمله، ليختار أخيرًا كنزة صوفية لحبيبته.. ستسعدها حتمًا هديته.. لو كان يملك المال الكافي لحمل لها الجواهر الفاخرة، لكنها لا تأبه بالمظاهر.. إنها استثنائية، ربما لا تخلق السماء مثلها كل مائة عام ..
ما سر هذا الخوف الذي يتسلل إلى قلبه كلما توقف عند نقطة حدود عربية، هل هي ترسبات حكايات جدته عن درك السلطان الذين كانوا يعبرون بالقرى، و ينهبون القمح والحلال غير عابئين بعذابات الفلاحين المقهورين، ويجلدون كل من يحاول أن يعترض طريقهم.. أم الأخبار المرعبة عن أساليب التعذيب التي تعرض لها بعض رفاقه على أيدي أجهزة لا ترحم، أم هو منظر آثار السجائر المطفأة في جسم سامي الذي يقشعر بدنه كلما تذكره..؟
هو لم يسجن ولم يعتقل، ولم يمر بهذه التجربة المرة وبالتالي لا خوف عليه.
شعر بالملل والقرف وقد طال انتظاره مع رفاقه لختم جوازات سفرهم ..