فهرس الكتاب

الصفحة 1509 من 1574

لماذا كل هذا التأخير الذي لا معنى له، ماداموا مغادرين، أليس عجبًا وجود هذه الحدود أصلًا، والمسافة بين دمشق وبيروت لا تتعدى ساعة واحدة.. لماذا هذا الفصل القاسي بين شعب واحد.. ليس الاستعمار وحده المسؤول عن ذلك.. هناك من ساعده في تنفيذ مخططاته، شريحة معروفة موجودة في كل زمان ومكان لا هم لها إلا مكاسبها وأطماعها التي لا تقف عند حد.. نظر إلى رفيقه وقال باستهجان:

-أليس من المعيب أن تنتظر أكثر من ساعة، ولم يختم جواز السفر بعد .

-لا، هذا وضع طبيعي فالتدقيق في فيشة كل مسافر تستغرق وقتًا.

-هذا ما يبعث على الغثيان .

-عليك ترويض نفسك على هذه الأمور، إن أبديت احتجاجا لا تلم إلا نفسك، فالعاقبة وخيمة .

-ألا يحق أن اسأل عن سبب التأخير ..؟

-من الأفضل أن تبقى صامتا فالسؤال يعتبرونه احتجاجا وهذا على أقل تقدير أو ربما تحديا لهم و عليك تحمل النتائج

-وما هي النتائج برأيك ..؟

-إن لم يلطمك على وجهك لطمة لن تنساها، فسيؤخر سفرك على هواه وعليك الانتظار مثل الآخرين ..

-ألا تراهم يشربون الشاي و يتضاحكون وكأن وقت الناس عندهم لاشيء..

-أنت مضحك أحيانا، أترى مثل هؤلاء يحسبون للوقت قيمة ؟

توتر و نرفز واغضب لوحدك، ولكن إياك أن تشعرهم بذلك أو تسمعهم صوت لعناتك ..

-معك الحق كله، لست من الغباء أن أفعل ذلك ..

تناهى لسمعه صوت الشرطي وهو ينادي باسمه، فهرع إلى الكوة عبر الزجاج الفاصل، وما أن اقترب منها مجيبا أنه هو، حتى قذف جواز سفره بوجهه، وكأنه خرقة بالية تبعث على القرف، فتلقفه دون تعليق، وتمعن في الختم الدائري بعيون زائغة، وكأن الدنيا كلها تدور به ..

كان فرحه عظيمًا لحظة شاهد اسمه في قائمة المتخرجين من كلية الآداب بجامعة دمشق، لم يهتم أبدا بمعدله الذي لم يتجاوز الستين بالمائة، وكاد يعدو ركضا إلى حديقة كلية الصيدلة، لينقل الخبر السار إلى حبيبته التي لم يبق على خروجها من قاعة المحاضرات سوى دقائق قليلة ..

لم يستطع الجلوس على أحد المقاعد. تمشى بخطوات سريعة على الممرات الحجرية يغمره شعور بالزهو والانشراح، أضفت عليه الورود الحمراء المتفتحة على شجيرات الورد اليانعة ورائحتها الخلابة مزيدا من السعادة. للنجاح طعم جميل، لحظة رائعة في حياة الإنسان، ليس من السهولة وصف تأثيراتها الوجدانية وتعبيراتها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت