فهرس الكتاب

الصفحة 1528 من 1574

كان الليل قد انتصف وهم يهبطون الدرج عائدين إلى بيوتهم وصدى ضحكاتهم يتلاشى في ليل القاهرة الجميل ..

الجو العصف بالمرح الذي بعثته حمية الشباب المتحفزة و المنطلقة شابه إحساس بكآبة غامضة في نفس عاصم كلما التفت إلى اللوحة الكبيرة المعلقة على الجدار التي تحمل رسمًا لعبد الناصر و هو يخطب بالجماهير المحتشدة في ساحة رمسيس.. هو الأثر الوحيد الذي شاهده لهذا الرجل الكبير الذي كان يملأ الدنيا، و يشغل الناس، خلال اليومين الماضيين على وجوده في القاهرة.. أيمكن لبضعة سنوات على غيابه أن تمحو صورته من الذاكرة الشعبية، أم هي راسخة في القلوب لا تعلن عن نفسها في المناخ السائد الآن ؟

لن يلحظ وجود أي تمثال له في الساحات التي شاهدها أو أي دليل آخر يبعث على ذكراه حتى شارعًا باسمه لم تلحظه عيناه.. حقيقة مؤلمة أن يتوارى ظل هذا الإنسان العظيم الذي كان يغطي مساحة الوطن كله من أقصاه إلى أقصاه.

هكذا هي الحياة.. قال في نفسه.. حتى الأنبياء لهم محبوهم و منكروهم. الأجيال وحدها هي صاحبة الحكم الأخير..

و تكرر السؤال القاسي هل استكثروا تسمية شارع باسمه.. يا لهول ما يفعلون ..

في الوقت الذي انشغل به بسيم بمسح الزجاج الأمامي والخلفي للسيارة للعودة إلى البيت تفاجأ بمروان يحل ربطة عنقه و يضعها جانبًا و يتناول من جيب سيارته"ببايونه"مرتبة بعناية و يلفها حول ياقة قميصه المنشاة قبل أن يحرك سيارته باتجاه معاكس و يقول منتشيًا ..

-سنكمل سهرتنا الليلة ما زال الوقت باكرًا..

ضحك عاصم و قال:

_ الساعة تجاوزت الثانية عشرة، و هل بقي مجال للسهر ؟

رَدَّ مروان مبتسمًا:

-الليل بأوله يا عاصم، القاهرة مدينة لا تنام، عيب علينا أن نضيع هذا الوقت بالنوم و أنت تزور القاهرة لأول مرة ..

-كما تريد أنا أسير لديكم الآن، و أنا أحب السهر أيضا، فكيف إذا كان برفقتكم ..

و التفت إلى بسيم الجالس في المقعد الخلفي كأحد الباشوات الأتراك:

-ستذهب معنا بالطبع.. أليس كذلك

-و هل أنا أحمق حتى أضيع هذه الليلة.. بالطبع سأذهب، أن نكون مع مروان متعة بحد ذاتها ..

_ أتدري يا مروان هناك سؤال يحيرني..؟

_ ما الذي يحيرك..؟

_ مررنا بشوارع كثيرة في القاهرة تحمل أسماء رجال عظام من تاريخ مصر، و لكنني لم ألحظ اسمًا لجمال عبد الناصر ..

رَدَّ مروان بأسف:

-لن تجد هذا الشارع، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على رحيل هذا الرجل العظيم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت