فهرس الكتاب
و لم يخب تقديره للوضع عندما رحب بهم مدير الاطعام في الفندق بابتسامة واسعة، أهلا مروان بيك أهلا أهلا .. وقادهم الى طاولة مميزة في البار الأنيق، يطل الجالس منها على مياه النيل الساحرة بانسيابها الأبدي وعلى صالة الألعاب الفخمة في القاعة المجاورة.. كان مكانًا مدهشًا بكل المقاييس بالنسبة له.. ديكورات فنية أخاذة، أضواء باهرة، رواد متأنقين منهم من يقف حول طاولة الألعاب، أو يجلس مستريحا يحتسي كأسًا من الوسكى أو البيرة، والفتيات الفاتنات يظهرن من أجسامهن السمراء أكثر مما يخفين، وهن يتبخترن يقدمن أقداح الويسكي المتلألئة على الصواني الفضية كأنهن وصيفات كليوباترا بعثن من جديد أو من سلالتها.. زاد من دهشته بهذا الجو العابق برائحة العطور الغالية ودخان السيجار الغالب على المكان، انحناءة المضيفة الفائقة الجمال وقميصها الحريري يكشف مساحة كبيرة من صدرها ولا يخفي إلا القليل من نهديها و تحيتها الرقيقة لمروان بيك.. وسكي، كالعادة مروان بيك..؟ وأجابته دون أن تتغير ملامح وجهه الجادة.. كالعادة يا ناديا، والشباب أيضًا.. دون أن يسأل عن رغبتهما بذلك ..
هل وقع في مأزق وهو يعرف أن مروان لم تصله الحوالة البريدية من أهله بعد، والشهر في أواخره، ولا يملك النقود الكافية لتغطية سهرة في مثل هذا الفندق الفخم ؟ كل ما يملكه هو لا يتجاوز المائتي دولار بالكاد تكفي مصاريف الأيام الخمسة المتبقية لعودته الى دمشق.. وهو لم يشتر بعد هدية لحبيبته حتى بطاقة بريدية لم يرسلها كما تعود دائمًا.. لابد أن مروان يتدبر الأمر، ومن الواضح أنه يعرف معظم العاملين في الفندق، وهذا يعني أنه يتردد كثيرًا على المكان.. لكن سؤالًا حائرًا يشغل فكره.. كيف سيسدد فاتورة الحساب .؟
احتسى قليلًا من الويسكي، لينسى أمر الفاتورة والحساب.. المهم أن يتمتع بهذه الجلسة الساحرة، لماذا يربك نفسه وهو مدعو إليها، من السخف أن يعكر مزاجه في هذا الجو الجميل.. تناول سيجارة قدمها له بسيم، وأشعلها وقال موجهًا حديثه لمروان:
_ لم أتوقع كل هذا الترحيب بك، يقابلونك باحترام زائد.. يبدو أن الكل يعرفك هنا ..
ابتسم بسيم ورفع مروان كأسه وقال ضاحكًا:
_ لنشرب نخبك ياعاصم بصحتك ..
واحتسى جرعة كبيرة وتابع ..
_ بالطبع.. فأنا أتردد بين فترة وأخرى على هذا المكان، و نتمتع بسهرة رائعة لا تكلفنا شيئا ً..
قال عاصم متعجبًا:
_ وكيف..؟ ألا تكلف هذه السهرة كثيرًا..؟