فهرس الكتاب

الصفحة 1538 من 1574

كثيرًا ما حاول التمرد على مرافقة والدته، حتى لا يضيع وقت لعبه مع أترابه،إلا أن إصرارها الشديد لم يكن يسمح له بالإفلات، حتى والده الذي لم يكن يعنى كثيرًا بقداس الأحد، كان يبحث عن أسباب مقنعة للاعتذار عن مرافقتهم إلا أنه كان يستسلم لرغبة زوجته التي كانت تعتبر ممانعته خطيئة كبيرة تلحق الضرر بعائلته كلها.. وعندما كان يسألها من يرعى قداس اليوم، الكاهن اليوناني أم العربي، تجيبه، لا أعرف وما علاقة ذلك بالصلاة ؟ أنت تصلي لله وليس لهذا أو ذاك.. كان يصمت، لم يكن يعرف معنى سؤال والده إلا بعد أن تجاوز طفولته، والده يرى مفارقة كبيرة أن يسيطر رجال الدين اليونانيون على مقدرات الكنيسة و الرعية.. لم يصل كاهن عربي إلى سدة المطرانية، إنه استئثار غير مقبول، رغم محبته للشعب اليوناني، إلا أن هذا لا يبرر امتلاك الاكليروس اليوناني في القدس، التحكم بمقاليد الأمور ومنعها عن العرب . يجب تصحيح الوضع وإعادة الحق إلى أصحابه.. هكذا قال لوالده الذي ربت على كتفه مسرورًا.. مرت سنوات طويلة لم يذهب أثناءها إلى كنيسة إلا فيما ندر، حتى الترانيم القصيرة التي حفظها في طفولته تلاشت من ذاكرته.. يعرف أن والدته الطيبة تنهض كل صباح، وتتلو صلاتها المعتادة بخشوع أمام صورة العذراء النقية، وتدعو له بالتوفيق والنجاح في غربته.. وعندما كان يقول لها..لا غربة في دمشق يا أمي . كانت تجيبه أنت غريب يا ابني مادمت بعيدًا عني.. لا يستطيع أن يذهب ويرتمي في أحضانها الدافئة، ويحدثها عن خطيبته التي ستحبها حتمًا، رغم أنه لم يستشرها بذلك ولكن حراس الحدود المتأهبين دائمًا لن يمنحوه هذه الفرصة فمهمتهم تقييد يديه واقتياده إلى سجن المحطة، و ربما تمر شهور طويلة دون محاكمته أو إطلاق حريته.. لن يغامر بالعودة، فصحتها لا تقوى على احتمال ذلك أبدًا.. ربما تتغير الظروف، لا بد أن تتغير، طبيعة الحياة متغيرة، السكون يعني العدم ..

نهض عن سريره لإغلاق النافذة و إطفاء النور في غرفته، فلحظت عيناه رسالة ملقاة خلف الباب لم ينتبه لها عند دخوله، انتابته مشاعر قلقة و سارع إلى تناولها و فض غلافها

عزيزي عاصم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت