فهرس الكتاب
لن اغفر لنفسي لمدة طويلة لأنني لم أستطع انتظار عودتك لوداعك قبل عودتي إلى بلدي بعد يومين فقط من سفرك، لم أستطع أن أحتمل، فقد انتصر المقاول فاقد الضمير و نفذ ما أراده في البناء بعد أن أخذ موافقة مَن كنت اعتبره صديقًا، المهندس نبيل و هو لا يملك من النبل شيئًا، كل ما أخشاه أن يأتي يوم و ينهار ذلك البناء المغشوش على رأس أصحابه حاولت جهدا مستطاعا، و لكن اعتراضي ذهب أدراج الرياح، لم أتمكن من احتمال ذلك.. استقلت من عملي في المحافظة، و لو لم أفعل ذلك فاللعنة الأبدية ستلاحقني دائمًا،
وأنت تعرف أنني لا أساوم على مبادئي لو امتلكت أموال الدنيا كلها،
ربما في هذا بعض العزاء لي ولك.. أعرف أني سأواجه ظروفًا صعبة على يدي زوار الفجر وقد تمر سنوات طويلة ولا نلتقي على الرغم من قصر المسافة بيننا، لا أعرف إذا كنت سأحظى برفيق مثلك، أترك دمشق و الحزن يملأ قلبي،
أخبرني إن استطعت هل سأجد مدينة مثلها..
آمل أن تصفح عني، قد تقول إني نزقٌ أو عصبي، لم أستطع المواجهة و الاحتمال، ربما لك بعض الحق في ذلك، ولكنني اتخذت قرارًا غير نادم عليه، لن أنسى أيامنا الجميلة معًا، و أعرف إنك لن تنساني ..
ارتجفت يده و هو يعيد قراءة الرسالة مرة ثانية، انتابه شعور بالأسف تحول إلى كآبة خرساء، وهو يطوي رسالة صديقه، و يعيدها إلى غلافها، كانت مفاجأة قاسية، فخسارة صديق بمواصفات نزيه، مسألة ليس من السهولة احتمالها، هل كان قراره صائبًا، أم كان عليه الثبات و المواجهة ..؟ لماذا يترك الساحة للنهابين و اللصوص، فتطول مخالبهم بدلًا من نزعها من جذورها ..
من المحزن أن يهزمه مقاول جشع بأمواله القذرة، ومهندس مفجوع بالنقود ليزيد الثروة التي ظهرت عليه منذ العام الأول الذي عمل به إلى جانب صديقه الذي أحبط إلى هذا الحد الذي يقود فيه معركة خاسرة ..
في تلك الليلة راودته أحلام متناقضة كان في ذروتها كابوس أطبق على كيانه فهزه هزًا عنيفًا، وأيقظه مع بزوغ فجر شاحب، لم يستطع بعده العودة للنوم، وأخذ قسطٍ من الراحة الكافية لجسمه المتعب ..