* في دير المجوس دعاني الديَّار، فجلست إلى جام ألاَّق، وشفتي لاظية، أسرّح لغتي بمشط من العاج والسهو، فيتهدل شعرها كرفرف أثيث يغطي ثلج صدرها، فيهدل الحمام الناهض.. ويزقو.. فتهمس:
ـ الخدر أنساك النص.. فحاذر.
* رجل ينتظر في أحد معابر النص ندى لصباحه الشاحب.. ليبدأ.
* موتيقات للنص:
ـ امرأة تنام في ضلوع الرجل مثل برد الشتاء.
ـ امرأة… دورق من نبيذ.. وسمكة في صحن.
ـ شبطه من الطرفاء وحيده تبوح بأملاحها للنهر.
18ـ نقرات الدفّ:
كانت جموع العابرين كثيفة ذلك العام.
بدو قادمون باتجاه بادية الشام، بدو قادمون من الجزيرة العليا، صْلُبَة، وكوجر محيرو الأصل على حميرهم الشهريَّة المعروفة، قرباط ونَور، كلهم عبروا مع كلابهم وقطعانهم وعائلاتهم، لم يكن لبثهم طويلًا، كانوا يتدافعون على عجل، وهم يصيحون، ويصخبون، ويلعونون، ويلتهمون كل ما في طريقهم كالجراد، مخلّفين وراءهم الخراب والدمار والخسارة.
ـ هؤلاء البدو غير معقولين، حيثما مرّوا تركوا الدمار.
قال أحد الفلاليح، وهو يرقب بحزن حقله الذي تحول إلى مجزرة خضراء لسيقان الذرة والقطن.
ـ إنهم لعنة من الله، وغضب على العباد.
قال عساف الأشعل، وهو يحصي خسائره، ويكاد يبكي من القهر والمرارة.
ـ لصوص وسلالة إبليس هؤلاء البدو.
قال عثمان الساير، وقد هاله الدمار الذي لحق بكوخه الذي ينام فيه ليلًا ليرتاح بعد السقاية، وينطر منه الزرع. ثم تابع بألم:
ـ حتى هروش الخيار والبطيخ أكلوها.. شرار ونار في بطونهم.
ومضى العابرون، فركد العجاج والغضب، واستسلم الأهالي لقدرهم، فعادوا يصلحون الخراب بصبر وعناد، ولكن المفاجأة التي كانت تنتظرهم وجود شاب مريض، خلّفه العابرون مع ناقة وفراش رث، تحت شجرة غرب عجوز عند ضفَّة النهر.
وحار الأهالي، واختلفوا، ثم اتفق بعض العقلاء، فعرضوه على طبيب، وصف له بعض الأدوية، ثم اتفق الشاب المريض مع أحد الفلاليح الفقراء للعناية به، فإذا مات فالناقة له.
ونسي الناس أمر الشاب في زحمة مشاغلهم، ثم انتبهوا إلى وجوده حين أوقد نارًا عالية، رآها الرعيان والفلاليح، وبدأت تتجاوب في الأمسيات نقرات دف كان معه، فيتحول المكان إلى دنيا من الأناشيد والمشاعر، فتهفو النفوس ـ مهما كانت جاسية ـ إلى السماع والخشوع وربما البكاء من الداخل، للتطهير والعودة إلى الهدى.