فهرس الكتاب
مرت الدقائق بطيئة ثقيلة مرعبة، ومالت الطائرة على جانبها الأيمن إلى حد تخيل أنها ستنقلب على ظهرها، واستعادت توازنها المضطرب لتنقلب على جانبها الأيسر وهي تترجرج بعنف سقطت الأمتعة عن الرفوف وتدحرج بعضها بين المقاعد والممرات دون أن يتحرك أحد، الكل يتشبث بمقعده، الخوف الرهيب من نهاية كارثيه، كانت لحظات مرعبة لا يمكن وصفها بكلمات مجردة، وأخذ عاصم يتمتم بينه وبين نفسه بصلاة ما زال يذكرها من طفولته، وكذلك فعل زميله مازن.. خيم صمت شامل لا يسمع فيه سوى هدير محركات الطائرة التي تغالب العاصفة، والظلام الدامس الذي يلفها. لم يعد مكان لأي حديث.. عبرت الصور في مخيلته.. تذكر خطيبته التي تنتظر قدومه بشوق ولهفة، عيناها الجميلتان وضحكاتها المنعشة للقلب.. تذكر أهله وأصدقاءه ..
ودمشق الحالمة على بردى و صورًا كثيرة أخرى أمامه وهو يتابع صلاته الصامتة للوصول بسلام على الأرض ..
ساعة كاملة من الرعب سيطرت على جميع المسافرين، وشيئًا فشيئًا بدأت الارتجاجات تخف وأخذت الغيوم تنزاح قليلًا سامحة للنور أن ينفذ عبر النوافذ المغطاة برذاذ المطر المتثلج، نظر إلى الوجوه المصفرة كورق التين المتساقط في الخريف، كان الهلع قد أصاب البعض إلى حد الإغماء.. شكر الله في سريرته وأحس ببعض الاطمئنان ومال إلى مازن قائلًا:
_ يبدو أننا نجونا من العاصفة .
_ إنشاء الله تكمل على خير..
_ لقد خفت حدتها والطائرة تسير مستوية رغم بعض الاهتزازات الخفيفة..
_ إنها ساعة مرعبة يا عاصم ..
_ مرعبة إنه وصف بسيط لما جرى ..
_ ألا تلاحظ أن أحدًا لم يتحرك من مكانه ؟
يبدو أن الوضع لم يستقر بعد.. حتى المضيفات لم تتركن مقاعدهن، والطيار لم ينبس بكلمة ..
بدأت الطائرة تهبط تدريجيًا من علوها الشاهق، نظر من النافذة إلى الغيوم المتناثرة التي خفت كثافتها، ولونها الأبيض بدد بعض قلقه .
فقال محاولًا أن يرسم بسمة على وجهه:
_ أعتقد أننا اقتربنا من المطار.. ألا تلاحظ الطائرة تواصل هبوطها ؟
رد مازن وهو يغالب خوفه:
_ إنها تهبط ربما تجاوزت الخطر ..
عندما حطت الطائرة على أرض مطار المنامة وكرجت عجلاتها، تعانق الكثيرون وتبدلت ألوان وجوههم الشاحبة، وما أن توقفت في مكانها، حتى طغى الفرح على الجميع، وقائد الطائرة يهنئ الجميع بسلامة الوصول بعد رحلة اعتبرها من أصعب رحلات شركة الخطوط الباكستانية .