فهرس الكتاب

الصفحة 1555 من 1574

لا يعرف مبعث ذلك السحر الغامض الذي يغير مزاجه وينسيه كآبته التي تعصف به أحيانًا، كلما أحس بوحدته وثقلت عليه آلام غربته، ويبعث في نفسه فرحًا جميلًا يطغى على أي شيء آخر.. أتمتلك خطيبته قدرات خارقة على تحويل عالمه المثقل بشجون عمله واغترابه إلى أمل دائم وسعادة غامرة..؟

كلما التقاها أو سمع صوتها، سحر جارف يتسرب إلى كيانه فيحيله إلى عاصفة من الحب والاشتياق.. كم كان حزينًا وهو يغادر صالة مطار دمشق عائدًا إلى بيته.. لا أحد هناك في انتظاره، وهو يرقب كثيرًا من القادمين معه يتقبلون الزهور من أقاربهم أو أحبائهم، وهم يستقبلونهم بالعناق والقبلات والضحكات العالية.. انسل وحيدًا من بينهم وغصة جارحة تحرقه.. لم يتسن له أن يخبرها بموعد قدومه، ولم يتحمل أن يقضي الليل دون أن يراها رغم تعب الرحلة الطويلة، وهاهي أمامه تملأ عالمه كله.. كادت تطير من فرحتها وهي تفتح الباب لتفاجأ به بعد أكثر من عشرين يومًا على غيابه تصرفت بعفوية دون أن تخشى حسابًا لأحد، فعانقته بحرارة دافقة وهي ما تزال في قميص نومها وروبها الملقى على كتفيها.. كم هي مبهرة وساحرة، كيفما كانت جميلة ورائعة ومدهشة، لم تغير ثيابها وكأنها تخشى أن تهرب منها بضع دقائق بعيدة عنه..

حدثها عن جولته وهي تستمع بشغف، طالبة حتى بالتفاصيل الصغيرة وكيف يلم بأوصاف المدن التي زارها.. روما بيروجيا بولونيا مدريد فلنسيا إشبيلية غرناطة كراتشي لاهور.. تريد أن تعرف كل شيء لعلها تريد أن تنسى حرقة انتظار الأيام الطويلة التي كانت تنتظر فيها إيابه ..

لا شيء خفف من معاناتها سوى بطاقاته التي أرسلها وجمعتها في محفظتها الأنيقة لتقرأها قبل أن تنام مع صلاتها ودعائها بعودته سالمًا إليها.. لم يحدثها عن معاناته ورعبه، والطائرة وسط العاصفة في طريق العودة، وكأنه نسي الأمر تماما، أو كأنه حلم مفزع تلاشى من ذاكرته لحظة طلتها عليه.. أيقن أن صلواتها استجيبت، لقد حماه الله وحمى الآخرين معه من رحلة الرعب تلك.. هناك أمور لا يمكن تفسيرها وأسرار لا يمكن فهم كنهها.. كله مناط بإرادة إلهية لا حد لإطلاقها.. ما أسمى هذه الأم التي تركتهما وحيدين معًا وهي تدعو له بالتوفيق، كأن هالة قدسية تحيط وجهها البهي الذي ما زال محافظًا على نضارته، رغم بعض ما تركه الزمن في ثناياه.. هل هو محظوظ إلى هذا الحد ؟ بالتأكيد فحبيبته التي لا مثيل لها تساوي عالمًا بأكمله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت