فهرس الكتاب
تجاوز إشارة المرور الحمراء دون انتباه منه، ولم يسمع صفارة الشرطي الغاضب، أحيانًا ينسى الإنسان نفسه ويتحرك بلا إرادة، كاد أن يعبر شارعًا آخر في غير اتجاه مكتبه..
لابأس كل الطرق توصله إلى مبتغاه.. الصالحية، الفرنسيسكان، القصر الجمهوري، نادي الضباط، ساحة الأمويين، أوتوستراد المزة، لكثرة ما عبر هذا المسار ألم بتفاصيله الصغيرة واختزنت ذاكرته أشكال الأبنية القديمة والجديدة والأشجار الباسقة المنتصبة من سنين طويلة على ضفاف بردى، الذي خف جريانه فانحباس المطر عنه طوال أشهر الصيف والخريف الطويلة، ونضح مياهه لإرواء البساتين والحقول، جعلته يبدو كساقية صغيرة لعل هذا العام يشهد مطرًا غزيرًا فيعيد له بعض نضارته المفقودة ..
غمره شعور بالرضا وإحساس بالراحة وهو يرشف فنجان قهوته الصباحية، على مكتبه، لا يعرف سببًا لقدومه باكرًا هذا اليوم على غير عادته، لم يصل أحد غير آذن المكتب الطيب الذي لم يفرغ من مسح الغبار بعد، هنأه بحرارة بسلامة العودة وعبر له عن ضيقه لتغيبه الطويل..
_ لماذا يا أبو أحمد الشباب طيبون، هل أزعجك أحد ؟
_ يا أستاذ لم أذهب إلى بيتي يومًا مرتاحًا، السيد حسن يتعامل معي بخشونة وفظاظة، كدت أعوف العمل لولا لقمة الأولاد ..
_ لعلك قصرت في عملك، أو تلكأت في طلباته ..
_ لا و الله لم أقصر بشيء، في الأيام الأخيرة بدا نزقًا ويصب جام غضبه علي دون سبب، لا أدري كيف أتعامل معه..
_ طوّل بالك يا أبو أحمد ، لعله متضايق من شيء وأعصابه متوترة ..
_ يا أستاذ ما علاقتي بالموضوع ؟ علي أن أقدم الشاي والقهوة وأنظف المكاتب، صدقني حتى جدران مكتبه أمسحها كل يوم على ما تطول يدي ..
_ لا تأخذ على بالك يا أبو أحمد، سأفهم منه إن كان هناك سبب لهذه المعاملة ..
_ لم أعد أحتمل يا أستاذ، لأتفه سبب يصرخ في وجهي وكأني ولد صغير، وأنت تعرف أني تجاوزت الخمسين ..
_ الدنيا بحاجة للصبر يا أبو أحمد، خفف عن حالك .. سأحاول قدر الإمكان معه لتغيير معاملته لك ..
_ يلعن الحاجة يا أستاذ ، بتذل ..
_ هدئ أعصابك يا أبو أحمد كل شيء يتغيير ..
_ يعطيك العافية ياأستاذ يا ليت كلهم مثلك ..
_ الله يعافيك ..
حمل أبو أحمد صينية القهوة وخرج، فيما أخذ عاصم بضعة أوراق بيضاء من درجه وبدأ بكتابة تقرير عن جولته، ولم ينه مقدمته بعد حتى دخل عليه محاسب المكتب غاضبًا وعلامات وجهه لا تفسر، وما أن أنهى عناقه وتهنئته بسلامة العودة حتى بادره قائلًا: