فهرس الكتاب
لحظتها كانت تحس أنه ملك لها وحدها وكان يبادلها الإحساس نفسه، شعور بالدفء يحتويهما لا مثيل للإحساس به في أية مدينة أخرى، هكذا على الأقل ما كان يجول بخاطره.. ومن باب الأموي حتى الحمام التركي كانت الأنوار المتناثرة وقد زادها لمعانا غروب الشمس الشتائية والغيوم الرمادية الهابطة التي تكاد تلامس مئذنة العروس الأنيقة، وهي ترسل أنوارها الباهرة عبر الطرقات وأسطح البيوت والدكاكين المصطفة على جانبيها.. ومن نهاية سوق البزورية مرورًا بكنيسة المريمية والزيتونة، قادتهم خطاهما حتى حارة جعفر حيث كان بيت خطيبته القديم لم يتغير به شيء سوى ساكنيه، وما زالت روائح الليمون والياسمين تتسلل عبر شقوق الأبواب الخشبية القديمة والنوافذ المفتوحة وتنتثر عبر الأزقة الضيقة لتجعل من السير فيها متعة لا تنسى.. للمكان أحيانا ألفة قوية لا تستطيع نسيانها بسهولة وكأن به مغناطيسا قويا يجذبك إليه كلما حاولت الإبتعاد عنه.. لم يكن يود الرحيل من بيته و لكنه أحس بوحدة قاتلة، بعد انتقال حبيبته مع أهلها إلى بناء جديد..لم يعد قادرًا على الاحتمال وهو ينظر إلى الياسمينة التي كانت تجلس في ظلها، أو الأزقة الخاوية التي هجرت خطواتها، وهي ذاهبة إلى مدرستها وعائدة كم حاولت أن تؤخر الإنتقال إلى البيت الجديد، إلا أنها لم تفلح في ذلك، فمعظم الميسورين من أبنائها أغرتهم بيوت الإسمنت الحديثة التي حولت حدائق دمشق و جنائنها إلى نتف متباعدة بعد أن اقتلعت الجرافات و الحفارات أعدادًا هائلة من أشجار الصنوبر و الكينا والليمون والمشمش والسفرجل والتفاح، وتحولت الغابة الخضراء إلى مجاميع من الإسمنت المسلح صحرت المدينة الجديدة بسرعة عجيبة ..
هل هو الحنين إلى الماضي القريب، أو الذكريات التي لا تنسى، تجعله يعشق هذه الحارة القديمة؟ ربما.. تحدثا بأمور شتى طوال الطريق، وعندما وقفا قليلًا أمام بيتهم القديم قال لها:
-ما رأيك أن نستأجر بيتًا هنا إنه أجمل من البيوت الحديثة ؟
قالت مبتسمة:
_ لا يهمني المكان بقدر ما يهمني وجودك معي فيه..
_ لو لم أتخصص في بيت الجمعية السكنية، لاخترت أي بيت شاغر هنا.. وسكنا فيه..
_ نحن محظوظان في الحصول على بيت في وقت تشهد فيه الأسعار ارتفاعًا جنونيًا