فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 1574

تأكيدًا في أيام التلمذة كنت أعجز عن مجاراة ذاك الصوفي الصغير في السمات والسلوك اللذين دأبهما. وإن امتثلت لبعض إرشاداته وعظاته، حسب استطاعتي. غير أن هذا الزميل الصديق كان معي بالمقابل ـ متسامحًا ديموقراطيًا ـ يترك الأمور لي كاختبار. هو منذ الصغر يقدّر حرية الفرد الشخصية.

ـ (( المهم أن تكون رجلك على الطريق وما كلّف الله نفسًا إلا وسعها ) ).

وعلى الرغم من قاعدته التي يتلوها يحضّنا إلى تطلعاته التي ينشدها خارج الحياة على سطح هذه الأرض ـ على حد تعبيره ـ يريد أن نحلّق معه بأجنحة يمام خارج (( سجن الأرض ) ). ثمَّ صار يستعمل مصطلح (( النقلة ) ).

من أين آتى به؟.

من علّمه إياه؟.

من خلفه في هذه الثقافة العلوية؟.

كأن هذا الطالب الصغير كان يحوي كنوز المعرفة اليقينية أو المعرفة الإيمانية بالله. من جهتنا كنّا في جهل مطبق، في شؤونه الخاصة. وفي بيته وفي نومه وفي مأكله ومشربه. يكرّر علينا مصطلحه (النقلة) في كل حديث يدلي به عن مصير الإنسان، إذ تبقى مثل كائن أخضر مستقرًا في أعماقه. ويحثّنا لقبولها كمسلمة. (( ينتهي المنطق عندما يبدأ الإيمان ) )...

لم نكن نعي ما يقوله. ولا ما يشرحه عن المدن النجمية، التي تنتظر الإنسان في حياته الثانية. مدن تقع في البعد السحيق من زاوية الكون القصوى. لها مدارات وأفلاك تدور حول شموس وكواكب أخرى. (( الأصح في مفهوم الخلود الإنساني، هو تغيّر الأقمصة بالجسد، بعد الهبوط. فالروح واحدة وباقية. وفي الخلاص تصعد بهويتها وتنعم بحريتها الأبدية... ) ).

وكم أجدني ارتجف خوفًا وهلعًا. ويتخبّط جسمي بقشعريرة مرعبة وهو يتحدّث لي عن الموت ونقل الروح، وفناء الجسم... وأنا الرعديد المشدود بتوتره كطفل. وهو بجانبي، كالرجل الناضج الذي يخوض في أحاديث الثواب والعقاب والبقاء والفراق. دون أن تهتز في بدنه شعرة.

تعال.

قادني، أدور معه في المكان.

لم أستسلم في يومٍ من الأيام لهلع مثلما استسلمت له اليوم. يا ألله! رأيت الأرض في الـ (( تحت ) )البعيد مدحوة سهولًا ووهادًا. كأنني أقف على جرف هاو.

طبعًا، طرأت تحسينات إضافية على المبنى القديم. ومع هذا كان فعل الزمن باديًا في تفتيت حجارته العملاقة، بما كسيت به من دمن الطحالب. والأشنيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت