ـ (( هذه النباتات القميئة كفيلة بفناء كل هذه الصخور الجبارة. هي مثل الطواحين تفرم وتسحق بماكينات رحاها التي لا تُرى بالعين المجردة، كل الأشياء التي تعلق بها، وتجعلها كالدقيق... ) )/سكت/.
ثمَّ عاد بعد قليل إلى النغمة الأولى يعزف على وتر الفناء: (( سائر الموجدات في هذا الكون آيلة إلى التلاشي والاضمحلال. الإنسان يدخل إلى هذه الدنيا عاريًا ويخرج منها باكيًا... ) )صمت.
ظللت ساكتًا معه بلساني وأتكلّم في نفسي: أكدت مرّة أخرى أنني أتلقى اليوم درسًا بليغًا في علم الفناء!.
ـ (( ما أقوله هو الصح ) ). أردف.
ثمَّ ذكر أنه قرأ في (( علم المادة ) )أو ما يسمى بالجدل المادي أن الفناء لا يصيب سوى العالم الظاهر. عالم الأجسام ـ المادي ـ وأوضح أن التجارب المخبرية دلّت على أن المادة في هذا الكون، ما هي إلا طاقة مكثّفة. وأهم هذه التجارب: غرفة العالم (نيلسون) . (( العالم كان أولًا روحًا، عقلًا، طاقة. ثمَّ تكثف قسم منه وتحوّل إلى مادة... فالفرع يلحق الأصل. والتابع يتبع المتبوع ) ). من جهتي لا أقول في هذه القضية إنه وظّف هذه المصادرة لمصلحة مبدئه الروحي، بل أيقنت أن ما يقوله هو الأصل.
(( النفس مع المصدر، فهي لا تفنى. هي خالدة... يعني عالم الروح هو الباقي ) ).
لَهَجَ نفسًا كثيفًا، تابع: (( البحر يتبخّر ماؤه. ولا تبقى إلا حركته(الأزلية ـ الأبدية) ... )).
أجبت بعفوية: إذن الحركة هي الروح.
انبسطت أساريره. ثمَّ أخذ يشرح لي، كيف يموت البحر. ولا تبقى منه إلا الحركة ـ الروح. ليدل على أن الحركة هي تحرر وحرية، تتم بفضل الموت. أي الانعتاق من المادة ـ الجسم ـ لتعود بجوهرها الحر كيقظة أبدية، ووعي شامل للوجود الحق. (( الإنسان الذي يعيش اللاحقيقة في الأشياء، عن طريق عالم المادة والأجسام الظاهرة كان يعيشها في البداية معنى وحرية وحقيقة... ) ).
ثمَّ: (( ولكن عندما حلت الروح في الجسم، وهبطت. كبلت حرية الإنسان... لهذا ترى الإنسان نفسه، يحن إلى العودة إلى حريته الأولى بوساطة الموت ) ).
واستشهد بسقراط الذي تقبل زعاف الموت بحرية تامة لينعتق من كبل الجسد، من أجل أن يعود إلى حريته.
ولا أعلم كيف عدت ونطقت هذه الكلمة بصيغة الاستفهام: والحرية؟
أخذ يشرح: