ـ (( الحرية بجوهرها، هي النعيم المفعم بالسعادة الحقيقية. و... ) ). وتركته يتكلم وحده، وهو يهدج أمامي، بعد أن قطع أنفاسي إدهاشًا، بقوة أفكاره، وعمق ثقافته، واتساع معرفته وإطلاعه! ما هذا النوع الممتاز من الناس؟ هم كأنهم يرون ما لا تراه العيون والحواس.
جماعة نخبة مشدودة إلى عوالم أخرى. وحقائق أخرى!.
رفقتي له، بالنسبة لي، ستكون صعبة وشاقة.
وأراني قد خامرني خاطر: شيخ سعيد كيف استطعت أن...
ـ (( قل سعيد. لقب شيخ لا أستحقه ) ).
واه...)! واستدارت عيناي. إلى هذه الدرجة التواضع والزهد في الذات. إنه شيخ ونصف. بل يساوي ألف شيخ من...
ـ لا تكمل.
يا للفضيحة! وظللت متلبسًا ما بين الحقيقة والخيال. عجيب يعرف كل ما أنوي أن أقوله!.
ـ (( الضرب بالألقاب. الزهد بـ (( الأنا ) ). هما السبيل إلى الله. قرأت لأحد المعلمين: لا يجد ناسك حلاوة الحياة الأخرى، وهو يحب أن يعرفه الناس... )) .
وسكت هنيهة. ثمَّ افترت شفتاه:
ـ (( لكل معلم نداء.... في البدء كان النداء للإنسان ) ).
أخذتني عدوى النداء. فانزلق عن لساني: وما هو نداؤك، يا شيخ...؟
ـ إياك تلفظها. بل سعيد وحسب!
ابتسمت.
ثمَّ أجابني: (( دعك من ندائي وهاك نداء معلم آخر. باركه الله وأودع فيه سرًّا من حكمته، كإنسان صالح ورع، كان في صحراء. عثر على قبرة عمياء. يسّر الله رزقها بوساطة دابة أخرى. فهتف في داخل نفسه: يا ارحم الراحمين ارحمني...
ورحمه الله. إذ غرس في أعماق قلبه محبته، وانقطع إليه عبادةً وسلكًا )) .
بعد ذلك تابع يمشي، يشير إلى معالم المعبد، ويعيد عليّ شيئًا من تاريخه.
عندما جلسنا للاستراحة، عادت نواقيس (( الأنا ) )تدق في خاطره كشغل شاغل له. آهة لاهبة خرجت من قاع جوفه، وفهمت ممَّا شرحه بلغته: أن (( الأنا ) )الجزئية ـ الفردية هي شرٌّ بحت. لذا يجب ألا تبقى إلا (( الأنا ) )الجمعية. أنا واحدة، كلية. تمحى فيها كل الأنوات الجزئية، في هذا الوجود.
وأخذ يحلل بموجب منطقه:
ـ (( فالجزء هو جزء من الكل. كما أن الخاص هو جزء من العام. وبموجب هذا (( القياس ) )الأرسطي ـ هكذا لفظ ـ تكون الحقيقة المطلقة الكلية هي الشاملة، لكل العناصر الجزئية في الوجود... )) .
سكت قليلًا ثم أردف"طبعًا الجزء أو العنصر الفرد، لا يكتمل معناه وجوهر وجوده إلا بالكل نفسه. مثل مفردات دقائق الذرة نفسها. فهذه لا تشكل ذرة كاملة إلا إذا اندمجت دقائقها في منظومة واحدة...)."