كذلك تابع بعد أن شهق نفسًا: (( فالكون منظومة مكبرة بأجرامه كما هو منظومة مصغرة بذراته... ) ).
تهت في شروحاته الطلسمية هذه ولا أدري كيف تلجلج لساني: (( وما يعني الإنسان ) )؟
ـ (( الجانب الإنساني واضح كالشمس. فالمرء إذا ما تعصب إلى أناه وأراد أن يستقل بذاته. فليس بمستطاعه ذلك. ويخالف الناموس الكوني ) ).
ثمَّ راح يربط كل هذه الأمور برباط لاهوتي محض: (( تعليل كل ما سقته هو أن الإنسان مخلوق من خالق يمتلك البداية والنهاية في هذا العالم الذي أبدعه بقدرته الكاملة. إذ ليس بمقدور المخلوق المحدود. في نهاية مطافه، إلا أن يعود، ويذوب في اتحاده بالخالق المطلق، اللامحدود...) .
وسكت ينفث أنفاسه الحارّة كالمعتاد.
كنت بجانبه كالثمل وما عليّ إلا أن أنطق: (( زدني علمًا يا رعاك الله ) )!.
أثبت نظره عليّ: (( وهنا يبلغ الإنسان أعلى مراتب التأييد والقوة والعرفان... ) ).
ثمَّ أخذ يقص عليّ قصة فرعون الذي طغى: فاستغل بـ (( أناه ) )فآل إلى بئس المصير.
وكذلك قصة النمرود المعروفة. فبعد أن استعلى واستكبر بتضخيم أناه أرسلت إليه بعوضة صغيرة (برغشة) دخلت أنفه وراحت تأكل فيه. وكان لا يهدأ رأسه من الصراع إلا إذا ضرب بحذائه. من قبل خادمه...
وأيضًا جدائل (سالومي) تماوجت على كتفها أمام (الاسخريوطي) ليقطع لها رأس (يوحنا) ، انتقامًا لـ (( أناها ) )وغرورها بجمالها، التي استصغرت عنده كل جمال فاتنات الدنيا و (( مصيرها معروف ) ).
وختم شواهده بـ (( قبل كل ذلك إبليس كان أول من تكبّر وكفر باستقلال (( أناه ) )، عن خالقه حيث استقرت فيه بداوته الضديّة... )) .
ثمَّ أشرق وجهه بابتسامة. كأنه راض عن هذه (( التزكيات ) )الانتقائية، التي أوردها، لتثبيت مقولته بضعف (( الجزئية ) )وانتصار (( الكلية ) ).
من جهتي كنت قلقًا ومبعثرًا. تأخذني هواجس العجز والتقصير. أو على الأقل استيعاب الكلام. أجل لا طاقة لي على ذلك. كيف صار هذا الرجل في هذا المستوى العالي من الفكر والفلسفة والتجهّد؟ هل الانقطاع إلى الله فكر بحد ذاته؟ أم هل العبادة أضحت بجوهرها عنده فلسفةً؟ وفلسفة نوعية!.
ثمَّ مطاردة أخرى:
(( الأقمطة، والألبسة لا تستر الروح. بل تبلى مع الجسد بالتراب... ) )نَدَّ من ناحيتي جواب تقليدي ـ حسب مكنتي:
ـ (( هذه حال الدنيا، يا... سعيد ) )/. ورجفت عندما لفظت اسمه منفردًا.
وبعد لحظة صمت. جاملني في تقليديتي ليعيد إليّ شيئًا من الاعتبار: