فهرس الكتاب
وارفق بي يا شديد العزائم.
ماذا أسمع؟
أين أقف؟
ماذا قطعت من الطريق؟
إحباط حاد اعتراني، وصرت كمن تسكنه خرائب. ولكن عدت وسمعت كلمات من يقين وإيمان معمدة بماء الصبر والثبات: (( لا تيأس. الإنسان مفردة أمل، في هذه الحياة الدنيا ) )
ولا أدري كيف تحرك لساني: بل مفردة سماع فله أذنان ولسان واحد.
تلطفت قسمات وجهه، وابتسم.
ثم أخذ يكرر في مذهب (( سلكه ) ): (( بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو، من نار تكوي جباههم، وجنوبهم يوم القيامة.... ) ).
(( على الإنسان أن يستخرج قوى الخير التي زرعها الله في أعماقه...
(( النفس الإنسانية تكمن فيها قوى عظيمة من الخير تنقل الإنسان من عالم الظلمة إلى عالم النور. قوى خير مودوعة فيها هبة من الرحمن. فليكنها الإنسان كما فطرت. فإذا ما اغترف من بلسمها، وخيرها، وفك طلاسمها... شارك في ملكوت الله....
تركته يتكلم ، وأخذت بدوري، سرحة استجمام.
تراها ترمض، فأين خضرة الجبال؟... وواحة من الأنهار والأشجار والظلال؟..
لا، لا... بل نظرت إلى الأفق، فها هي ذي المساءات الجليلة تلملم قطعانها.
ثم هاهي ذي الصحراء تغفو ويحلّ فوقها الدجى!.
ذات يومك أشرق صبحه زاهيًا رائعًا....
ثم أخذ يغطيه الغيم شيئًا فشيئًا، بعد أن ارتفع الضحى. لا أدري أين قادتني قدماي عقب شوط من المسير. وهأنذا أقف على ذروة. امتدت أمامي سلاسل الهضاب والجبال.
كنت أتخبط كالتائه.
مللت المشي.
فجأة رأيتني، في وسط غيض، يحف به البحر، من جهة الغرب. والجبال الشاهقة من جهة الشرق. وانداح أمامي شريط بديع من تعاريج الخضرة، في سفوح تشاطأت مع حوافٍ (( قارية ) )كسّرتها الأمواج الأزلية وحولتها إلى أخاديد ونواتئ، كالموازيك، لتشكل ثغورًا ورؤوسًا وخلجانًا. الريح تخفق بأشرعة القوارب، قرب الساحل. والريف على اللحوف يعجّ بالقرى والسكان والكروم. الحياة (( جنة ) )هنا. رخصة وطرية!..
هبتّ عليّ نسائم ناعمة رقيقة. ياللمناخ الندي! قد أغرقته عذوبة شمس لطيفة وربيع خميل! أين مناخ (الربدة) القاسي ذاك؟...
المملكة تنعم بالأمن، والحكم والجاه.
أنا في بهو قصر السلطان، حاكم المملكة السعيدة. لم أجده جالسًا على كرسي الملك، كالعادة، سألت عنه. قيل لي إنه ذاهب في سياحة بين السهل والجبل. وبين الحاضرة والبادية.لحقت به مدفوعًا كالمرسل.
ماذا جرى يا سلطان الزمان؟..