فهرس الكتاب
أعلنت ذلك بحماسة. وارتفعت معنويتي في نفسي كشلاّل فرح!
ابتسم. وألقى نظرة غائمة على المكان، ثم شرع يشرح عصمة العقل، فيما يسمى بـ (( النفس الولية ) )، وأن العقل لا يأتيه الباطل من خلفه، ولا يصدر عنه وسعادته تكمن في الفضيلة نفسها )) .
وحكم عليَّ أن أقول: وماذا؟...
- (( ومن غلبت عليه شقوته بـ (( نفسه الضدية ) )يكون قد أهمل عقله -هدية الله- وهكذا يميل إلى الشهوات وعبث نزعات الغرائز )) ....
لم يعد يخفى أن (( الرجل) ظهر في هذا الزمن المبكر من (( الدعوة ) )، ليمثل بسلوكه تيارًا متنورًا في مجتمع جديد لم تستقر أوضاعه بعد.
ثم ينفى. أو يبعد، إلى (( الربدة ) ). لتكون هذه البقعة الحارة من العالم مقرًا له. وقد اتخذ القميص البدوي رداءه يقارع به أصحاب النفوذ والقادة وأهل الردة العصبية والقبلية. من أجل إحقاق الحق وسيادة العدل ورفع الظلم عن المحرومين وسائر المظلومين....
_ (( أنا لست وحدي في المعارضة ) ).
تذكرت ما سوف يكونه، في سياسته عندما يحل في قصر الرابية.
تابع: (( نحن جماعة (( حزب المستضعفين ) )كثر في الأمة وفي مقدمتنا.
(( أبو اليتامى صاحب النداء المجيد ) ).
نطقت وكأنني ما زلت غرًا في معشره: ما النداء المجيد؟..
- (( النداء(الحق) المودع في عمق النفس الإنسانية )).
ثم نهض ونزع عمامته،ليفرج عن رأسه. مقدار من الشعر الأبيض تلامع في مقدمته. رأس مستدير كبير يستحق أن تنحني له الرؤوس كسنبلة...
قطع تفكيري وامتشق عصًا أم سيفًا. لا أعلم. وهبَّ يهزه أمامي بيده كأنه ينتخي: (( عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه ) ).
رجل ثوري يدعو للثورة وقبل نظرية (( الصراع الطبقي ) ).
خفت. وغبت....
بعيون اللا وعي مني، شاهدت وقائع من ثورة هذا الرجل: التفّ رجال ذوو عباءات مرقعة، حوله، في باحة المسجد ثم تفرقوا....
أحدهم أمسك بتلابيب أحد المتنفذين، وهزه من ياقته، وهو يمشي متبخترًا في الشارع
ومستضعف آخر يصيح بوجه صاحب قصر، وقف في بوابته المزينة:
(( بيت المال للفقراء، وذوي الحاجة.... ) ).
وذاك صوت الشيخ سعيد نفسه: (( خففوا من الفقر-ماذهب الفقر إلى بلد إلا وقال له الكفر، أنا معك ) ).
ذهلت!!
وبنقلة خيالية رأيته جالسًا في حلقة مسجدية، يعظ الناس ويرشدهم.
تكلم في العدل والإيمان، ثم تكلم في (( السعادة الحق ) )، ثم سمعت منه: (( سدرة المنتهى ) ). و (( المشاهدة بعد المجاهدة والمكابدة ) ). وبالتالي (( الخلاص والوصول ) ). و