فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 1574

- (( العزلة تبقى في الجوهر، ففي معبد الجبل سوف أعيش عزلة فردية مجردة، أعبر فيها غلاف هذه الأرض تلبية لنداء يأتي من صوب ذلك اللون الأزرق. فأعيشها في فضائه، مملوءة ببوح الروح والأنس والاستشعار بالوجود الكلي. لعل الحظوة بالسعادة القصوى تحل عليَّ. وأما عزلتي، هنا على وجه هذه الأرض المعذَّبة، والمعذِّبة في آن واحد، فهي عزلة اجتماعية، ناتجة عن مقارعة البشر ذوي العقول المغلقة، الذين أشاحوا عن نور العقل، وأصبحوا بشهوات ترابيتهم، عرضة، بل مطية، لنزعات (( أنواتهم ) )الشريرة، وهكذا أمسوا كالمفترسين

ثم أخذ نفسًا حارًا آخر.

بعد أن استراح استأنف: (( فأراني أدافع عن الجياع وأخوض غمار معارك شتى ضد أصحاب الباطل والبطش والتسلط، من أجل رفع الظلم والحيف عن المعذبين المغمورين، مهضومي الحقوق، من الأرامل والأيتام، والأيامى، والفقراء المستضعفين. ) )

ثم سرد لي كيف كان يتردد على أهل (الصفة) ، وهم فقراء المدينة الذين كانوا ينامون في المسجد، على الطوى. لعدم وجود قوت ومأوى لهم.

يؤازرهم ويواسيهم حيواتهم المدقعة، وهم بدورهم كانوا يصنعون أضرحة لأحلامهم الخائبة في هذه الحياة الدنيا... (( فكرهني الأغنياء وطفيليو الحكم وسموني بعدو الثروات....

هذا ناهيك عن صرخاتي التي كنت أطلقها ضد العبودية والرق )) .

كنت أطامن رأسي.ثم نبست: وماذا بعد ذلك، يا؟.

- (( من استجاب من هؤلاء الطغاة -هكذا لفظ- كان طمعًا منه في أن يتفجر له الكون ينابيع من اللبن والعسل، وحوريات. أبدانهن تلمع كالبلور... ) ).

سكت على ضيم. شعرت أنه يغلي في جوفه. لم أحرك ساكنًا علّه يهدأ.

ثم ثار:

- (( تراني قضيت قرابة خمسين عامًا، من عمري أعيش على حافة الحقيقة. -الحمد لله تعالى-وأعمل على نصرة الحق-والحمد لله تعالى ) ).

وصمت.

وها أجدني أجلس معه كوحيدين في معبد الصمت. غبنا تجوّلنا في معالمنا الداخلية. فطنت:

- (( ندهتك:(يا حق ما تركت لي صاحبًا) . انتشرت، يا.... سعيد، في الأصقاع كافة )).

أغمض عينيه وغاب في ملكوت أعماقه ثانية. ثم رفع رأسه: (( على المرء أن يفتح عقله. ويستنير بهداه ) ).

واستأنف: (( على الإنسان أن يستعمل هذه الخاصة البشرية -العقل- الذي امتاز بها عن سائر المخلوقات. جاءته هدية من الله تعالى. منحه إياها قبسًا من نوره الشعشعاني ) ).

نطقت بعفويتي المعهودة: على الإنسان ألا يهمل هدية الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت