فهرس الكتاب
-نعم القيمة للجوهر و (( والثلاثة ) )بجوهر واحد، طالما (( سلكهم ) )في النهج واحد، والهدف واحد، وهو الخلاص والوصول إلى غاية الغايات الحقيقة الخالدة. والنعيم الدائم في بلوغ السعادة القصوى. ثم تأوه: آه كم كانت الحياة هنا في بدايتها، في البادية، بريئة ، ووديعة وفاضلة كما قلت لك، حينما كان الإنسان يعيش فيها نباتيًا، لا ساحقًا ماحقًا للمخاليق!...
ونغمة الإنسان النباتي، والإنسان الحيواني عادت تطرق مسامعي، من جديد كعقيدة ملازمة مرافقة له في كل أدواره وطرق سلكه، سأتغابى وأعدل عما رمى إليه. حتى لا أعود وأفلق رأسي بها مرة ثانية:
-العيش هنا حياة يا.... سعيد!.. أنت هنا تنعم في هذه البادية الطلقة بمشاهدة الطبيعة البكر، التي تخلب اللب بفطرتها السمحة وبراءتها الخالصة !...
غضن تضاعيف سحنته السمراء أكثر: لا تخف ما كنت قد أدرته في بالك....
-أنّى لي أن أمكر عليه فكرة ما قد تتسرب خلسة إلى خاطري.؟...
تابع: أنا هنا لا أعيش في عزلة، كما سوف أعيش في ذلك المعبد المشيد في رأس الجبل. بل هنا أقوم بما سوف أعيده في القصر، أي أنا هنا أشتغل بقضايا الناس....
حقيقة. تذكرت ما مرَّ عليَّ، من سيرته الفعالة، وهو يعيش في القصر، من سياسة المعارضة والدفاع عن المظلومين، من أبناء الأمة.
قال: وتذكر أيضًا صعلكته. حين كان قاطع طريق ينهب أموال الأغنياء المتنفذين الجائرين، ويوزعها على الفقراء المساكين. وتذكر أيضًا استقامته على المبادئ التي يطرح والعقيدة التي يعتنق، وشجاعته. فهو كان أول من صرح بالشهادتين علانية في مكة، في بدء الدعوة. وقد نال بعد ذلك الأمرين من أهل مكة المشركين...
بعد لحظة سكوت عاد ونطق: ولكن سأبقى في عزلة، كما خمنت...
وتوقف فجأة عن الكلام. لا أدري لماذا؟...
بعد أن أخذ نفسًا حارًا، كحر صحرائه لهج، وهو يشد قبضته، كأنه يشد على شيء مقدس: