فهرس الكتاب
أنا شاخص بعيني كتمثال من جماد أمام معلم يشرح تاسوعات (أفلوطين) في المبدأ الأول وفي العلة الأولى. وفي (( الواحد المطلق والفيض عنه، فكان منه الوجود، والكون) .
أكان سلطًا أو فيلسوفًا؟ هو الآن يعي ويعني ما يختلج في نفسه، ويقوله لسانه من مثل هذه الأفكار التي يطرحها. ليتوجه بها إلى قضية آمن بها كل الإيمان هي قضية (( الرجوع ) ).
الرجوع المشفوع بحنين الفرع إلى الأصل. والرجوع...
ويكمل نصه العشقي: (( إلى الحبيب... إلى الحبيب غير الحبيب كل شيء زائل.... ) )
أشرت بيدي. توقف.
قلت: إنك تتوغل في بحور الفكر والفلسفة العليا، فلسفة الروح، لتكرس زهدك وتصل.
اعتلت جبهته مسحة من بهاء. كأن انبلج من نور. ثم نطق عبارته الشهيرة:
ـ (طرح رغبات الجسد تكسب الآخرة ) ) !
ثم ابتسم وشدني من يدي: (( اعمل لتنتقل من ذلة المعصية إلى عزل الطاعة ) ).
حركت شفتي لأتكلم، دون أن أدري ما سأٌقوله. بيد أنه أنجدني. وأخذ يقص عليّ كيف اكتفى بالحبيب المنشود، عن كل شيء في هذه الدنيا. وإن كان فيها أميرًا أو ملكًا... (( إنها فانية زائلة لا محالة ) ).
قدّرت من خلال كلامه، مدى تفانيه في مذهب زهده. واستجابته في تلبية خالصة، لذلك النداء الذي ألم به ـ أو حل عليه ـ وهو في عز سلطانه. عندما كان في كوكبة يخطر ببذلته الأميرية، التي توهجت بخيوط الذهب، وهو يرمح فوق صهوة فرسه المحجّل باتجاه البادية، للصيد مع حاشية تهمز حوله بالخيول الصافنة الضامرة.
ناداه من أعالي اللون الأزرق، بعد أن أطلق عنان فرسه الأغرّ، خلف أرنب قفز من أمامه.
(( صوته! آه يا صوته! من أين أتى، من أية موسيقى؟.... ) ). نعم سمعته يهتف جرسًا علويًا: (( ألهذا خلقت يا....؟ أم بهذا أمرت يا....؟ ) ). فاستوعب في الحال مضمون هذا النداء وانصاع له كأن جلجل في أعماقه صوت الحق. فشق في قلبه نورًا مبهرًا. أعشى عينيه عن كل ما كان حوله وانطلق مسرعًا إلى أحد رعاته.
(ـ قف يا ثليج أيها الراعي.
ـ أرعبتني يا جلالة السلطان. هل أخطأت؟ أقبل التراب بين يديك
ـ لا تخف يا ثليج. بل انزع عنك جبة الصوف. والبس بذلتي المذهبة هذه.
ـ لا تقل السلطان، ولا سيدي.
ـ لا. لا تخلعها عن جسمك سيدي السلطان.
ـ يا....
ـ وسأعطيك هبة فرسي وسلاحي.
ـ لم أصدق
ـ بل صدق
ـ وأنت أين؟
ـ أنا سأسيح في حب الله تعالى في البوادي والسواحل والجبال والمغاور. مرتديًا جبتك الصوفية، ولتكن شعارًا وتسمية لأصحاب هذا السلك).