فهرس الكتاب
وظل يقص علي. وأنا في غاية الذهول والاندهاش، كأن تطاير جسمي قطعًا في أرجاء المكان.
ألحت برأسي. حركت شفتي. لا أدري.
رفع كفه وقال: (العبرة في العروق وليس بالخروق. بل العبرة في السلوك وليس بالملوك. وسكت.
تابع: (( بهرجة الملك سخرية. فالحياة الحق هي في العالم الآخر. وهي طبعًا لمن جاهد بإيمانه، في الله واليوم الآخر. (( قال لوقا في إنجيله: ما من خادم يستطيع أن يخدم الآخرة والدنيا معًا ) ).
من جهتي ظللت صامتًا وأنا أقدر له، وفيه، هذه القوى المكتسبة الجديدة في الروح والإرادة.
والإيمان.
ـ و....
بعد أن ساد الصمت بيننا عدت وأمعنت النظر في وجهه. ظهر لي منورًا بهيًا همست في داخلي: (( هو من الذين (( خلوا بالرحمن ) )فنوّر الله وجوههم بنوره الكريم )) .
ـ (( لم يغش وجهي كدر منذ التزامي ) ).
حين نطق، علمت كالعادة أنه يرصدني في نفسي، وما يختلج في باطني.
ثم ساد صمت كالقنوت في الجلسة.
بعد فترة نظرت إليه كان قد استولت عليه سبحات الوجه المشرقة.
قال: يا لنعيم هذه (( الشطحة ) )كنت بلا جسم، بجوارحي فقط، أرى دون عين، أسمع دون أذن. و
هل جن اللاوعي عنده؟ أو جن الوعي عندي؟ وهو يسترسل بـ (( لا شعوره ) ).
ـ (( أنا هنا غريب. كل إنسان. بحقيقة أمره غريب على سطح هذه الأرض ) )!
ثم رأيته يفرد لي وجهه، الذي ازدهر أكثر، كأن يقدم لي مواساة لعجزي في عالم اللاحواس الجميل الذي يعيش. لكن سرعان ما عادت تتقافز الكلمات بين شفتيه:
ـ (( كنت محمولًا على أجنحة اللحظة الخاطفة. مفصولًا عن عظامية الجسم... ) )
افتكرت وحزنت. الفرق بيني وبينه، كالفرق بين الكثافة واللطافة. فباسم جهلي الصامت. استعيذ ألاّ أتشظى حسرة وكآبة.
إذن سأبقى بصحبته، وفي الصباح يحمد السُرى.
في جلسة صفاء أخرى. عاد يذكرني باجتهاد زهدي له في (( منع النفس ) )أطلقه. فشاع كقاعدة فقهية:
ـ منع النفس في ثلاث حالات: في الحلال فضل وفي الحرام فرض، وفي الشبهات سلامة.
قلت بدوري هذه الكلمة: والإقلال.
أخذها على محمل الجد: هذا سؤال في غاية من الأهمية، فالإقلال يكون في ثلاث حالات أيضًا:
ـ الإقلال في النوم، والإقلال في الطعام، والإقلال في الكلام!
ثم ذكرته بحادثةٍ: ظل قابضًا على نفسه بها، كسرٍّ، بإرادة من حديد:
هل شكوت من تصرف ذاك العتريس؟
ـ لا
ـ هل دعوت عليه؟
ـ لا وربي