فهرس الكتاب
وجدتها قد تكومت الأيام داخلها. التفت حولي.
سألتها: (( أرى في الكوخ آلة موسيقية ) ).
أثبتت نظرها عليّ. المقلتان قد سهر الزمان فيهما. بل من أجلها. ثم انفرج الثغر الباسم عن لآلئه: (الموسيقى ما زالت غذاء روحي ) ) .
وأفاضت في شرح مهمة الموسيقى، كرسالة في الحياة البشرية. يترفع بها الإنسان عن الغرائز... (بالموسيقى أترنم بحكمة الكون، وأتصاعد في معارج السمو... آه.... كم بعثرك لحن ناي على شفتي راعٍ في خلاء المرعى! وكم هذبت أنغام قيثارة من طباع، وهدأت من عواطف، ورققت من شعور وطهرت من نفوس و.... ) )
ولا أدري كيف نطقت، وكأن عفويتي الأولى رجعت
ـ (( في البدء كانت الموسيقى ) ).
ـ (( مع الجمال الإلهي، والحق، والحب... ) ).
أضافت وسكتت.
ثم نظرت إلى الناي. زفرت متأوهة. كانت كمن يحمل سرًا يعذب صاحبه.
نطقت: استعمله، خلال مجاهدتي الليلية، فتتفتح بها زهرة روحي، متعانقة مع قناديل السماء حيث تتلامع بلون زرقتها. فأحسب نفسي كأنني وصلت... آه، متى أصل؟
وكأن نوافير وجدٍ وهيام تدفقت من قلبها!
من جهتي. عدت إلى الموسيقى، وتذكرت كيف كان يستبي روحي صوت (( شبّابة ) )القصب، عندما يطلقه عازف في الليل. يسهر في بيدره. فيصل إلى أذني لحنًا عذبًا. كأنه تسلل من مسام الكون.
عادت إليّ، وعلمت. نطقت بحماسة: (( مع الموسيقى يكون الكون في أبهى تجلياته. يصحو على قرنفل، ويمسي على ياسمين... ) ). وابتسمت
علمت أن أنغام (نايها) الروحانية تجعلها تذوب في خمائر خوابي عبادتها. وتبقيها متقدمة في سلكها الزهدي، من أجل الوصول إلى حقيقتها التي تنشد. (( في الليل تنفتح نوافذ الروح وأبواب السماء. والموسيقى هي الصلة عندي ) )...
توقفت قليلًا وتابعت: (( هي تبعث في قلبي الذوق والوجد، وتؤجج بين ضلوعي الشوق في عشق (( الرب ) )... ))
علمت أخيرًا أن ما توصله الموسيقى (( للسالك ) ). لا تقدر اللغة على إيصاله. يفوق الكلمات. وحتى حركات الإيماء.
والخلاصة:
(( هي الأداة المفضلة لرفع الحجاب، والكشف عما وراءه ) )!
واسترسال في (( رسالة الموسيقى) .. ووظيفتها. (( أجراس تقرع للمجاهد المسافر في صميم المجهول من الروح، والجوهر الحق ) ). حتى يصل إلى شفافية اكتشاف (( حب الله ) )والارتباط بروح قدسه جلّ وعلا...
ـ (( نعم بها ألجأ إلى سكينتي في التهجد، كمقدمة لشوقي، عندما أتلو أورادي ) ). وبقيت أسمع منها، عن سماع الموسيقى. حتى شعرت أن موسيقى داخلية، بدأت تعزف في داخلي، وتنساب في عروقي، لا أعذب ولا أسمى...