فهرس الكتاب
تنهدت بدوري، وقلت: نقل عنك الكثير. أعلمني هو وتمنى لو يستطيع ما تستطيعينه في الزهد والعبادة، وفي السياحة ببراري الروح الشاسعة. قال: عادت تعبد الله عبادة الأحرار بقلبها الزكي الطهور وتقدّس له ليل نهار بإيمان صادق..
طامنتْ رأسها خشوعًا:
ـ (( أنا لا أصلح أن أنقل حذاء ذلك العابد ) ).
وذكرتها بما ذكره لي عن مقولتها الشهيرة في نهجها النسكي: (( يا ربي أعبدك لا طمعًا بجنتك ولا خوفًا من نارك إنما أعبدك، لأنك تستحق العبادة ) ).
ابتسمت وأكدت: (( أي ألاّ يعبد الناسك خوفًا من النار، ولا يعبد طمعًا بالجنة، فيكون كالأجير الذي ينتظر أجره. بينما العبادة الحق لله تعالى تكون حبًا وشوقًا، دون ثمن ) )وابتسمت ثانية.
بل أُراني أنا الذي ابتسمت وقلت. (( لك الفضل، يا أم الخير ) )ـ وقد فطنت بكنيتها التي أعلمني بها الشيخ سعيد ـ لك الفضل في هذا السلك الموضوعي الذي لا يرتبط بفائدة، أو منفعة. بل هو مفهوم مجرد. الواجب للواجب، والحق للحق. والفضيلة للفضيلة )) .
ثم أطلقت تعبيرًا محليًا: (( المهم براءة الذمة ) ).
ابتسمت لهذه الفكرة. ثم اعتدلت في جلستها. وأخذت تشرح لي بصوت دفاقٍ باللهفة، مفهومها الزهدي...
تذكرت ما قد قاله لي عنها: (( حوّلت الخوف من الله إلى المحبة من الله ومن الإبهام إلى المعرفة الصريحة والوضوح. ومن الحرمان إلى الرضا ومن الضعف إلى القوة ) ).
قطبت ما بين عينيها اللؤلؤتين و (( ... والزهد شرعة ذات ألوان روحية وأهداف وجدانية ) )ثم ركزت على حرمان الجسد وكبت الغرائز، كأنها تثأر لظلمها السابق. إذ أوضحت كيف أطلقت حالات من التطبيع مع التوبة، من خلال ممارسة الزهد كتيار للتعالي والتصعيد والتحليق، نحو زرقة الأفق الأعلى، بعيدًا عن نهب الفرح المكرس لسعادة مادية باذخة، على حساب سعادة روحية سامية.
ثم أخذت الكلمات تتدحرج متحشرجة على شفتها. هل اللفة تعبت أو كلّت..؟
حزن كاسح أصابني لسكوتها. ماذا كنت أسمع من هذه العابدة؟ أحد المزامير، أم نشيدًا علويًا؟ حقيقة كنت أتلقف الكلمات (الشافية الكافية) . كالمسافر في رمضاء يريد أن يطفئ ظمأه بماء الحياة. ظلت صامتة. وأنا أنتظر اللحظة دهرًا. رغبة جامحة تعبأتني للمتابعة. حيوية غريبة دفقت في كياني.
وحين احتلت الغيوم مساحة كبيرة من الفضاء وحجبت الشمس خلفها، فطنت بنفسي.
غادرت الكوخ وظلت تملأ ذاكرتي بأسرارها الآسرة.
عدت والعود كان أحمد