فهرس الكتاب
ـ (( اليوم عدت حرّة، بعد أن كان قد أطلق الرجل الذي اشتراني ـ ابن عتيك ـ سبيلي لوجه الله تعالى. حتمًا أمر بهاتف علوي. أتاه من قبة اللون الأزرق ) ). نطقت بنفسي ثم بلساني: (إذن يا سيدة البكاء والنواح. أنت امرأة صالحة. لك التوبة النصوح، والعبادة الخالصة لله. لقد أُعلمت منه بسلكك الصارم القاسي لأقصى احتمال طاقة الجسد والنفس معًا. فأمسيتِ المثل المحتذى في(( النهج ) ))) .
قاطعتني بلهجة مخنوقة بالتشنج:
ـ (( لا بد من تعذيبهما ) )
ثم حملقت فيّ: (( إن تفقد عذابك تفقد إنسانيتك ) ).
أف ما هذا المعنى الكبير الذي ساقته لدماغي المتعب؟ ضاق صدري. لذا تركت الصمت ينوب عني بعض الوقت. ليكون منقذًا لي كما عهدته في عشرتي لأشخاص يقبضّون على ناصية الشفافية.
أوعلت بي ثانية.
نطقتُ: (( كيف ) )؟
ردت: (( عذاب الجسم في الجوع، وعذاب النفس في السهاد.... أجل، أجل... إن دهشة الرحيل في سجى الليل... ) ).
ثم استأنفت:
(( فلا أدع الليل يغتصبني بنومه. بل أنا التي أهزمهما شر هزيمة ) ).
واستخلص عقلي هذه الفكرة، فلفظتها بصوت شجي هذه المرة. شجي أمن الخوف؟ أمن الخجل؟ أمن العجز؟ لا أعلم المهم نطقت: (( إذن خلاص الروح يكمن في المجاهدة ) ).
ـ (( نعم بعد نيلي حريتي سهرت الليالي تلو الليالي متيمة بوله (( عشقي ) )فوق ))
ـ وأشارت بيدها إلى الفرجة الزرقاء ـ ثم تكلمت كيف تسجد في مصلاها خاشعة، متضرعة، تنادم (( الجلال الأعلى ) )في مناجاة شعرية سامية. فجرتها من قيعان روحها. (عزفت عن كل شيء في هذه الدنيا، من أجل الخلاص لتعود هويتي نقية صافية. تصلح لحظوة الدخول في نعيم(قدس الأقداس) .. )) ماذا أسمع؟ المجهول يتألم ويرزح تحت أنين اللغة! وهي ترزم بنثار عشقها وبوح توهّجها. (( حتمًا هذه المخلوقة ) )، أضحت في عذاب صبرها الذي فاق كل الحدود ـ هكذا أعتقد ـ أضحت من الذين يشاهدون الملائكة ويعيشون مع أروح الأنبياء، ويسمعون أصواتهم وكلامهم. وكأن صلواتها قبلت والأبواب لما فتحت. ورحت أمنّي نفسي وأنا أتملى وجودي في وجودها بغبطة فائقة نابعة من أعماق كياني. أُوراني أشف وأعلو كمن صار يطفو على أجنحة موسيقى عذبة، أخذت تتهادى في معارج الروح لتسمو نحو الملأ الأعلى... سمعتها تقول: ـ (الله كريم رحيم)