فهرس الكتاب
المرأة دومًا مغلفة بالحزن لا أدري لماذا؟ ولكن للحزن عذوبته عند هذه المرأة
ـ (( دعك مما تفكر به ) ).
أف! هي تعرف ما في باطني (( مثله ) ). وصلت إلى مرتبته في (( سلك النهج ) ).
أردفت:
ـ (( سابقًا كنت قد تمردت، عنوة عني، على اسم العشيرة التي انتسب، وعلى نفسي أيضًا. نعم كنت، آنذاك، الشابة الحسناء و (( ذات النون ) ). جمالي فريد. صوتي رخيم. فأُخضعت لطبيعة الجسد. وترابية الغرائز آه لا عذر لي....؟
سكتت وغشى وجهها حزن نبيل جليل.
ثم أخذت تتأوه ثانية كأن نارًا تتأجج بين ضلوعها حسرة وندمًا.
ما بال هذه المرأة العابدة؟؟! لِمَ كل هذا الحزن الذي يلفّها من كل أقطارها؟ سمعت:
ـ (( لا أنسى رحمة ربي ) )
ثم أخذت تسرد علي شيئًا من حياتها الماضية، وكيف كانت لا تملك حريتها، ولا شخصها ولا جسمها. (( عندما أمرت، ابتذلت نفسي كثيرًا. ولكن أقول للحقيقة ـ والحمد لخالق العظيم الرحيم ـ بقيت فتاةً بتولًا عذراء.... لهجت نفسًا وكظمت في داخلها ثورة من البكاء. براكين الكلمات تتفجّر تحت رفيف صمتها.
متى تهدأ؟ اعتصرت آلامي معها.
ـ (( وعندما هطل الندى على صحراء قلبي. أشرقت في ليلي أقمار العاشقين من ذوي الوجد والسلك، وأُراني ) )وسكتت.
زاغ نظرها في الأعلى حيث زرقة السماء، تبرق من فرجة الكوخ. وأطالت النظر كأنها تبحث عن وديعة فيها.
بعد فترة عادت إليّ:
ـ (( جلت في أرجاء المرسح، غناءً أصدح بصوتي وأضرب بصنجي، لأطربهم. وكنت حين أنفرد بنفسي أبكي سرًّا. أبكي حتى أنهي... أجل لم أعذرها. وإن كنت فتاة (( أمة ) )ترزح تحت نير العبودية ومخزومة برباق الرق ومنعولة بحذاء... ))
وراحت تكثر من كلمة (( الرق ) ). وتكررها بحرقة. كأنها تريد أن تنتقم منها. وتشرح لي كيف سيمت بها سوم العذاب. ثم بكت وتنهنهت. وكدت ألوم نفسي بما أُقحمت فيه.
أدركت. فكفت واستأنفت: ـ (( أجل، أجل أنا كنت عبدة ليس لله بل للرجل الذي اشتراني بدراهمه كسلعة معروضة للبيع في سوق.... ) ). وتنهنهت أيضًا كأنها تريد أن تقيم مناحة عظيمة في قلب الكون! امرأة بكاءة ولا تحيا إلا في البكاء!
علمت ونطقت: (( البكاء كفارة الماضي المبتذل ) )
أجبت بهذه الكلمة: (( واليوم ) )؟
استمهلت في الجواب. سوّت عصابتها فوق جبينها. تنفست من خلال لثامها بلوعة. ثم حركة شفتيها: