فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 1574

جهدت نفسي في ملاحقة أعماقه. تراه يمخر، الآن، بحر الملأ الأعلى الفائض بينابيع الخير والحق والعدل والجمال.... هاهو ذا يرفع يده اليمنى في الهواء... آه، فيما يفكر، و تراه يخاطبْ أناسًا آخرين؟ ما هم مخاليقه، يا ترى؟

أنا بدوري، رفعت يدي تلقائيًا واندمجت في هذا المشهد السباتي الرائع! شعرت أنني تشظّيتُ خلايا، وغمرتني هويتي وأنا أصعد في فضاء هذا الرجل. وأنعم بغيبتي، وليبتسم الزمن لي هذه المرة! ولا أعلم كم بقيت حالتي السديمية هذه. المهم وجدتني قد عدت قابضًا على قوى نفسي، متماسكًا قبالته بشعوري، وشخصيتي الشحمية. كذلك ثمة ملامح جادة، بدأت تظهر على وجهي. وإن كنت لا أقوى على مجاراته؟ لأفنى وعيًا وحسًا في تلك (( الشطحة ) )!

هو رفع رأسه:

ـ (( هذه رؤى هرمس ) ).

ـ (( أتتفضل بها؟ ) )

نطقت ولا حيلة إزاءه، إلا النطق والإصغاء.

ـ (( هرمس في أحد أيامه رأى نورًا يغمر كل شيء. أخذ بالصعود إلى أعلى رؤاه، ومشاهدته الكشفية، والتحم بها حتى غاب عن الذات الحسية... ـ تنهد ـ

ـ (( .... إنه ينزع للرجوع إلى المبدأ الأسمى، بعد هبوط النفس من السماء العليا... ) ).

تلجلجت.

أعلمني:

ـ (( رؤى هرمس بجوهرها، معرفة العلاقة ما بين الله والعالم والإنسان... ) ).

ثم أقفل كلامه بـ (( ومن عرف نفسه عرف الله ) ). ـ حكمة هرمس الشهيرة ـ وانبعث بريق حزن من عينيه. بل رأيت حبلين من الدموع، انفلتا وبللاّ خديه.

هل هو يتألم؟ أم هذه دموع الشوق؟ فالأصوات المتوسلة فيه قرّحت فؤاده وجعلته مصدرًا للحزن والدموع!

استشف كالعادة ووافقني:

ـ (( للشوق ألم! ولكنه ألم مصحوب بعذاب عذاب، للوصول إلى العذوبة الأسمى في الغاية القصوى ـ (( غاية الغايات ) )ـ .... )) .

ثم تورّك بتربيعته المعروفة وتسمّرت عيناه في اللاشيء.

أعتقد أن أخذ يرتاض في جلسة (( قنوت ) )ثانية إثر مخاض لذة فريدة....

أراني كم أغبطه وأنا أراقب تمتمات شفتيه!....

فطنت بأهل العرفان الذين يتلقون كشف المعرفة ببواطن الأمور فيستحثون (( العقل ) )والروح لتملأهم فكرة الخالق بالكامل؟

حقيقة أحسست أن ثمة سعادة بدأت تدب في شعوري وصرت أتوفز بروحي وهوية كياني.

غير أنني لا أدري، لم عدت ورجفت؟

أجل أعتقد أن مراكز الخوف في دماغي مازالت تعمل عملها إذا راحت تتنازعني، في الحال هلوسات شتى، في رحلتي المغيبة: (( القفز صعب. ورمي الجسد ـ كمظلة ـ أصعب ) )....!

عدّت إلى حمى جسدي و (( لازمتني ) )الأرضية...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت