فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 1574

ـ (( الحياة بوار على سطح هذه الأرض. ما لنا إلا رحم السماء يحتضننا في الحياة الثانية ) ).

(( طبعًا هذه الحياة هي الأبقى....

(( يستقر الإنسان بعد أن يحظى بالموت في رحاب الله....)

وعاد يشرح معنى الموت، من جديد، ومدى حظوة الإنسان به.

(( هذا الوافد الغامض لم يعد يتربع على عرش الحياة برهبة وخوف. بل نرتقبه كأمنية... ) ).

وكم أبخس الحياة الأولى التي يطغى فيها الشر على الخير والظلمة على النور والباطل على الحق.

والجهل على العقل والحلم. والجسد على الروح و... حتى قطع حبل السرة معها تمامًا!

أخذني إشفاقٌ. خففت عنه ألمه:

ـ (( أنت في كل أدوار (( قميصك الذي ترتديه (( هويةُ ) )روحك لم تدخر جهدًا في مقاومة الشق الأول مما ذكرت. ولم تخذل الحق. ولم تهادن أصحاب الأنا الفردية والعصبية... ))

ـ (( .... بلى... بلى... وقد اتسعت القبيلة عندهم، وتورمت حتى جعلوا كرسي الحكم وراثة و (( الخلافة ) )مملكة )) !

ـ (( قاومتهم صمود المجاهد وصبر العابد، وشجاعة المؤمن... ) )

استرحت قليلًا وتابعت: (( بعد ذلك، اعتزلت عالم الأرض في معبد الجبلي ) ).

ابتسم، وقال: (( استراحة الجندي، لا بد منها فسأعتكف في معبدي هذا للحياة التي نذرتُ. وللعمل الذي اخترت، ثم... ) )

(( ...دعني أعش نعيم زهادتي هنا علها تحرقني نار تجربتها في التوجد والتوحد علني أتلاشى جسدًا لأتحول إلى ذوب خالص روحًا...

لأحظى بتجليات الذات المقدسة... (( حيث فيض الحضرة. ودوحة الحضور. وجنة عالم المعاني والعرفان... ) )!

وعقب إطلاق سراح أفكاره المتوهج، ختم كلامه: ألم يقل الله تعالى: (( خلقت الخلق ليعرفوني... ) )؟

وسكت متوترًا.

ثم بضع حركات إيمائية تلقائية، قبل أن تهدأ ألياف جسمه.

بعد قليل نظرت في وجهه. ابتسم. كأن وردة من شقائق النعمان انشطرت نصفين، بين شفتيه.

يا للوجه الذي تشرب بالحمرة؟

ظلت فترة الصمت ممتدة بيننا إلى وقت. شرد بعينيه نحو الأعلى. تذكرته في أول لقاء لي معه، كيف كان ينظر إلى الزرقة العليا، من قمة هذا الجبل. كمن يحاول أن يقرب المسافة بينه وبينها في الصعود.

حاولت أن أمسك بخيط أفكاره، حتى لا يفلت... لكن سمعت:

(( قيل لناسك مفيد ماذا تشتهي؟ أجاب: أشتهي ما لا أشتهي ) ).

إزاء هذا الزهد. اعتملت في (( شعوري ) )ردة فعل:

ـ (( قلت سابقًا وأنت في القصر (( الرسالة ) )عبادة وزهادة. والعكس صحيح )) !

تنهد: (( ولهذا السبب اخترت هذا المنهج... ) )

ثم تركني، سَرَحَ، وغاب في غياهبه الداخلية...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت