فهرس الكتاب
رفعت هي رأسها ناحية الصوت. بينما كانت أذناي تلتقطان:
(( هذا المقام مملوء بالأسرار. ويناله العابد إذا فرح بالمصيبة كما يفرح بالنعمة....
(( ناهيك عن مقام الإحسان الذي يصل فيه العابد إلى مرتبة أن يرى الخالق... (( إن لم تره فهو يراك ) ).
التفت حولي وكأني في مناخ استوائي.... هذا كوخ الأسرار! وبينما أنا في حالة الذهول. دخلت رفيقتها عبدة وقالت لها:
ـ يا أم الخير دعينا نقض نزهة، في هذا اليوم الربيعي المشرق.
أجابتها: اصمتي يا عبدة. وتأملي قدرة الله في نفسك وأنت في الكوخ.
قبلت عبدة. وجلست. فاستأنف الصوت:
ـ (( والمقام الرابع، هو مقام المحبة، وهو الذي يمارس به العابد نهجًا روحيًا جيَّاشًا بالحب السامي، والإيمان المشرق ) ).
عدت إلى حاضرتي. ضغط عليّ فضولي بإلحاح في (( المقارنة ) ). فانزلق على لساني: أوحى إليّ (( الصوت ) )أنه دونك في العبادة.
اقشعرّت بكامل جسمها:
ـ (( لا تقل ذلك. جدران الكوخ تهتز. أنا(مريدة) مبتدئة بالنسبة لقنوته )).
فكّرت: ماذا أقول لنفسي؟
ولكن حتى لا أصبح فريسة لليأس أدركتني:
ـ (( لا تكن جاحدًا. رغبتك ترمح على فرس جموح...و:
ـ (( رفقتك له محجّة نحو النعيم.... ) )
ثم سكتت دون أن تذكر لي ما كانت قد استنته من قواعد صعبة التطبيق في (( سلك العابد ) ).
وجدتني أثوي وأستفيق، كمن يستيقظ مبهورًا بحلم!
ظل ذكره يطرق ذهني ـ بعد مقابلتها ـ وكدت أطير به إلى آفاق بعيدة إذا ما التقيته
أوليته هو يطير بي إلى رحاب عالمه السعيد الحالم.
تابعت سيري أتصفح وجوه الناس. فجأة سمعت الصوت يرن في رأسي.
ـ (( يا مقلة العين وإنسانها، لقد تأخرت ) )!
واتجهتُّ فورًا.
الطريق نفسها التي سلكت. وبرق يشم السماء بضيائه الساطع.
بهجة اللقاء تتوهج في داخلي وردة من جلنار!
يا للجمال الأُنسي! وجهه المنّور مسكون بكنوز الأسرار.
ـ صباح الخير... يا ... سعيد.
وخزني ضميري، كمن يقترف ذنبًا على حين غرة!
ـ (( أراك عدت إلى المعبد من ) )/
ولم أكمل. كأن انفجر حريق في صدري والتهم شعوري.
الأمر فوق دائرتي. مازلت مسيرًا بإيحاءات خارجة عن إرادتي وإدراكي أيضًا!
فرج شفتيه بضحكة مغتصبة.
ـ (( لِمَ ) )؟
ـ (( لما صار الفقراء الذين دافعت عن حقوقهم. أغنياء أصبحوا أكثر كفرًا وجبروتًا من الأغنياء أنفسهم. لذا رأيتني قد عدت إلى فضائل معبد الجبل ) ).
ـ (( إذن الغنى يجلب الكفر مثل الفقر ) ).
ألاح برأسه وهمهم لنفسه، عن الإنسان نفسه. ثم أعلن: