فهرس الكتاب
ـ (( هذا قبولها ) ).
ثم: ـ (( صوب اللون الأزرق ) )!
عدت لا أفهم. تيقنت أنني مازلت أحتاج إلى حسن المثابة في العقل وشدة الدربة.
ـ (( عليك بالصبر ) ).
قلت كالمفجوع: (( من ) )؟ حتمًا دون وعي.
ابتسم: (( هي تقول ذلك... من خلال .... ) ). /وصمت.
بل رأيتها تبتسم لي. هي أم الخير نفسها.
نعم، أجدني قبالتها، من خلال (( فرجة ) )حلقتي المفقودة. التي عصت عليّ كمعجزة!
التفتتْ إليّ بعينين بلون السماء! هي كعادتها، ذاتٌ مستوحشة في وحدتها، لتتعانق مع شوقها الأبدي الأسمى. وقد اتقد بذاك النداء السرمدي، الآتي من أعالي الزرقة.
تركتني وانعكفت على نفسها، في ركنها المعهود من الكوخ.
بأية لغة تصلي هذه المخلوقة العابدة؟ وبأية العبارات تدعو، وتتلو أورادها إلى الله تعالى؟
الله! من يعرف سرها الأقدس؟ ويدخل حمى قلبها الحرام، المختوم بالتوحيد والتهجد، والدمع الهتون؟
ثم ماذا يتردّد في أذني؟ أسجع ورقاء في عش يمام؟ أم...؟
عندما تلمست جسدي الظاهر، لأتأكد من هويتي، أين تقف ماهيتها إزاء مستضيفتي؟ وجدتها ـ أو بالأحرى وجدتني كالطفل يحبو، ويدرج في شوارع مدينتها الرابضة على النهر العظيم، الدافق بخيراته من الماء العذب الفرات. وقد أنبت حوله الزرع، وملأ الضرع. وأثمر النخيل في غاباته الخضراء تقول إنك في حياض الجنة!
عدت.
كانت جالسة في صدر كوخها، بلباسها الصوفي المعروف، ولثامها، وفوطة الشاش التي غطّت معظم راسها. وقد وشت بها حرائقها الروحية.
سربلتني بعينيها السماويتين.
وبإشارة من رأسها طمأنتني. بادرتها بابتسامة.
كفّت عن مناجاتها، ولاح في بحر عينيها (( لازورد ) )دمعتين.
تجارأت، بإذن من سهوتي، أو من لا شعوري. ونطقت: هذه شدة الشوق، يا أم الخير. (( حبك الإلهي ) )!
ـ (( هذا ما أعلمك به الشيخ سعيد ) )؟
ـ (( ) ). سكتٌّ
ـ تابعت:
ـ (( ليتني أنال شيئًا من فضيلته، وسمته... تنهدتْ: شيخ نقي تقي ورع في نهجه وسلكه وزهده.... ) )
ثم طفقت تعدد (( مقامات ) )حرفة الزهادة. وتحولت إلى تلميذ كبير الحجم أمام أستاذة.
(بل أوراني أسمع صوتًا يسألها نيابة عني:
ـ (( ما هو المقام الأول يا أم الوصايا ) )؟
ردّتْ: من؟
أجابها صوت آخر: هذا أنا وليس
لم يدعها الصوت تكمل:
ـ سأجيب عنك: المقام الأول، هو مقام التوبة. وهو أول منازل السالكين. وأول مقام الطالبين. كما تعلمين.
نطق صوتي بالاشعور: والمقام الثاني؟
رد الصوت: المقام الثاني، هو الرضا.