فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 1574

أخيرًا ارتسمت في واعيتي بضعة حروف فقط. انسابت دون مؤدى مقصود. يا للخيبة! ماذا تراكم على شفتي؟ كان علي أن أبقى صامتًا، إزاء ما ثرثرت من هذر. أجل لِمَ سلبت ذاكرتي؟ أراني هل ابتسم لنفسي، وأنا أتكلم وحدي؟

ـ (( اصبر واصمد من رافق الـ (( سعيد ) )يسعد )) ./ لم أبال أو لم أسمع. في الحقيقة حسبت نفسي أني صرت بلا عقل بلا وعي. اللهم احرس لساني، وعقلي وقلبي بعينك التي لا تنام.

إييهْ...! كم أنا بحاجة ملحة إلى النوم ثم هبط المساء في الخارج وأخذ الليل ينسج غزول عتمته.

كان الصباح يمشي أمامي كالملاك، فوق تلك الفيافي والبطاح. شعرت بالأنس. ولم أعد حاملًا هم غربتي على كاهلي. البيداء، على الرغم من قساوة إقليمها، تجعل الإنسان بصدره منشرحًا، باندياح بساطها. فها هي ذي الصحراء تنهض نخلة ضياء في وجهي. والفضاء أمامي سديمًا بنفسجيًا مبطّنًا بالفضة. والرمل الذي أدوس يستحم ببراق الشمس المتوهج... فشعرت، كأن قلبي أخذ يتناثر شوقًا لرؤياه. إذن. سأكون أكثر فطنة واستيعابًا اليوم.

أجل. فالصحراء هي كالمطهر الذي يصفّي الذهن والروح. وبدأت ألون بألوانها آمالي وأحلامي حنينًا يعزف في داخلي كصوت ناي قادم من آخر عالم السحر والعاطفة.

ـ (( هذه هي الربدة ) ). ثم سدد إلي نظرة ثاقبة، من عينيه الواسعتين كفنجانين.

حين سددت بدوري نظري إليه. وجدته كائنًا عذبًا حميمًا. نهض بزيه البدوي ـ القباء، والعباءة، والعمامة الخضراء ـ ومشينا معًا. امتدت الأرض أمامنا شاسعة منبسطة كراحة اليد. ثم عدنا إلى خيمته وجلسنا، وأطرق كل منا كأنه في متاهة.

بعد انتهاء الشرود رأيته يحرك الرمل بعصا كمتنبئ جديد! تركته وحركاته، وفكرت: إلام يبقى هذا الرجل معفرًا بالتراب، هنا في ربدته مع الجوع والظمأ والشقاء. ويحشد في رأسه كل قبائل الأمة؟

(( جعد بن درهم عرّى معاوية وإيمانه. وأنا سأعود... ) ). /ندّعنه صوت ثم حملق فيّ وظل صامتًا واجفًا إلى وقت، بقي في فمه رزمة من الكلام لم يفثأها بعد.

أومأ إليّ، عدنا نمشي في الرمضاء صامتين، دون أية نأمة. غير أني سمعت بأذني الداخليتين شجوًا كنوح اليمام، حل في نفسي حنينًا وانشراحًا كهذه الأمداء المفتوحة بفضاءاتها على أسرارها ورؤى عوالمها الساحرة.

ـ (( هذه هي أم الخير ذات التوبة النصوح ) )!

وجدتني معه قد غرقنا في حالة طيف مبهر، في وسط حقول حالمة، بعبق الياسمين والنارنج. وطيب الذكر يتفتح بأنغامه فيها وردة بالخاشيم....

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت