فهرس الكتاب
كانت جلسة شائقة معه، عند باب الكهف ـ المغارة ـ الذي يأوي إليه، ليبدأ مشاويره المكرورة، في التمتمة، والتأمل والنظر صوب الأعلى تارة، وصوب البحر تارة أخرى.
فكرت: ماذا قدمت؟
هواجس مخيفة انتابتني: ولحظات مريرة. مرّها مثل الصبر مرّت عليّ، وأنا واجم قبالته.
ـ (( الصبر طعمه مرّ. ولكنه حلو بنفعه وفائدته ) ). /أكد الخاطر الذي أدرته في بالي!
ثم أخذ يوضح ما كان قد ذكره لي سابقًا، أنه لم يكن مصادفةً تركه كرسي الملك في إمارته. أو خضوعًا لظروف تلقائية، أو طارئة. بل انقلب رأسًا على عقب، حين تقاطرت عليه الأفكار الرحمانية، بعد أن دعاه ذلك النداء الهامس من ثنايا اللون الأزرق. الذي عاد وتفجر في داخله، كدوي الرعد، قبولًا وطاعةً.
أخذت تتوارد أطيار أفكاري الجديدة في لحظات الدهشة على ينبوع روحي المتفتحة بفيض الرحمن. لتنهل منه وتعبّ ما طاب لها وما شاء.... )) .
ـ إييْه...!/ لهج ثم تابع: (( كم كانت أفكارًا مثمرة ومفيدة تلك التي غزتني يومئذٍ ) ). بقي يتكلم بحرارة. كأنه مسكون منذ الولادة بندائه ذاك وابن بجدة التنسك والعبادة طبيعيةً وما جاءته السلطنة إلا عرضًا.
حِرْتُ في نفسي. مازلت أهوّم في حلقاتي المفرغة وقد بلغت من العمر عتيًا.
ـ (( قلت لك سابقًا، المعلق خير من الذي يسقط ويهبط والـ(فوق) يظل أفضل من (( الدرك ) ).../
لا أدري كيف لملمت شوارد ذهني، بعد أن أجاب على ما جال في خلدي؟ ثم ترجلتْ أفراسي الطائشة.
ونطقت: (( سأتابع دون رجعان ) ).
تركني وانتبذ له ركنًا آخر في الكهف...
سمعت صوته المتضرع بغتة ريم حنون، كأنه آتٍ من بعيد من نفحات تلك الحياة الأخرى... صبرت ومكثت. اليوم شيخي سعيد شديد المراس والممارسة!
عاد إليّ ونهرني: (( اعلم أنا لم أكنه. كانه جسدي البالي هذا.... ) ). كانت نبرته شديدة اللهجة. على كل. ماذا يعني بهذه المفاجأة؟ أيني شخص الأمير أو السلطان أو الملك، الذي كانه؟
حقيقة تهت في غياهب وجوده، حتى غاب وجودي عني. ولكن أراني قد عدت، بعد قليل، والحمد لله، رأيته يشير بسبابته إلى هيكل جسمه العظمي. ثم كرّر بلسانه: (( يا سعيد... استمر يا سعيد.... ) ).
خفت. حقيقة هذه الأجواء الغيبية التي أحاطني بها اليوم لم أصل بعد إلى مستوى (( عيارها ) )من الطاقة الروحية الهائلة. وهأنذا أقف حائرًا. وأنا لا أعي شيئًا مما يطلقه لسانه. ولا أقبض على معاني كلماته وما يحملّها ويضمنّها من معميات ألفاظه ومصطلحاته!