فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 1574

بعد أن هدأ قبالتي عاد وكررّ قولته الشهيرة التي شاعت في كل الأصقاع: (( ما ذهب الفقر إلى بلد، إلا وقال له الكفر أنا معك ) ).

ـ (( هذه حكمة ستجري على الألسن ) ). / أجبت وكأنني لفظت الكلام بغير صوتي. لا أدري لماذا؟

هز برأسه: (( المهم تحقيق العدالة بين أفراد الأمة ) ). وبعد أن جلا حنجرته بسعلة جافة: ـ (( وهذه العدالة وسيلة للانتقال بسلام من هذه (( الفانية ) )الدنيا إلى (( الباقية ) )العليا )) .../ سكت.

لا عجب برجل يعمل كمصلح في الأرض ويحمل كفنه حنينًا لما وراء اللون الأزرق! لا بد من أن يكون هذا سلكه.

أغمض عينيه.

أخذت بالعدوى. وغربت عيناي في سديم حار ملأ فضاء البادية.

عدت مسرعًا كمن استفاق بعد دهر من النسيان! لقد أدمنت رفقته.

فها هو ذا المناخ: فصل الخريف.

وهاهو ذا المكان: السفح.

وقد تعرت أشجاره. بعد أن تخلت عن أوراقها وخضرتها وهأنذا أسير في شعاب السفح وفي نفسي هاتف يقول لي إنه عاد يسكن هنا في قرية عالية. تغامزها النجوم المتلألئة، في مرتفعاتها كل ليلة.

كنت قد سمعت منه سابقًا: المبيت في الأعالي يكسب (( المجتهد ) )صفاءً لا يعادله صفاء، في عملية اجتهاده. إذن لا عجب أن أتخذ مثواه، هنا، ليقترب من الله.

درتُ في دربٍ لولبي، كمن يلغّه باروم. واستجممت عدة مرات، وأنا أتابع مسيري هذا صعدًا. اختلفت الطبيعة أمامي، وهرب الخريف. كانت رياض غنّاء جمة، تمتد كسجادة عظيمة. صنعت من فسيفساء زهر المروج المبسوطة على تلك السفوح والمنحدرات المشتعلة بالربيع، والمسقسقة بالمياه. نظرت حولي. خضرة غامقة في الشرق. يعانقها سطح البحر بلونه النيلي في الغرب. وخصلات النور بين الظلال، شلالات من عقيق! يحق له أن يقوم بهذه (( النقلة ) ).

نظرت فوقي، فجاج الفضاء تسيل ضياء. وقبة السماء تمطر رزقة. والكون يمتلئ شعاعًا... التقيته. هب في وجهي هاشًّا باشًّا، كمن كان ينتظرني منذ مئات السنين. لم يبال بالطبيعة المزدهرة، التي تكتنفه من كل جانب. هو عنها في وادٍ آخر. أو في طبيعة أخرى، غير موجودة على هذه الأرض. لهذا تراه مرتديًا جبته الصوفية وقد تدلى من عنقه جراب جلدي. وضع فيه زوادته التي تحتوي على كسر من الخبز اليابس. الله وحده يعلم ما نوعها. وكم مضى عليها من الزمن؟

ناسك متشدد في زهادته وعبادته!

ولهذا لم يشغله شيء في هذه الحياة الدنيا. يظل يغمره الفرح والسلام كطفل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت