فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 1574

التقطت أذناي: (( انظر فأنت مازلت بين بين ) ).

كأني صرت أستمع إلى نقرات من الحزن تضربني في زاوية من شعوري:

ـ (( أي أنا معلق ما بين السماء والأرض ) ).

ـ (( المعلق خير من الذي يسقط.... ) )... / وسكت، ليكمل الصمت. علّني أدرك أكثر.

حدقت إلى وجهه. بل استقرت عيناي على الجانب الأعلى من جبهته الساطعة. بانت لي غضون تشبه الكلمات. تذكرت ما يقولونه: إن حياة الإنسان مكتوبة على جبهته بخطوطها ودروزها: (( المكتوب على الجبين ستراه العين ) )!

كذلك عدت وتذكرت كرامته، فهو من الذين تنزل عليهم.../ قاطعني

واستدرك: (( سبق أن قلت حياة واحدة لا تكفي للإنسان، على سطح هذه الأرض. فلا بد من أن تتكرّر حتى تصفو، ويخرج منها ) ).

ـ (( .... إذن ) ).

_ (( الإنسان على هذه الأراضي في غربة... ) ).

وأشاح عما حوله نحو الأعلى. يتكلم في الزرقة بعينيه. بعد أن فقد اللغة على لسانه.

جلست تعبًا. العرق يغرقني تمامًا

ـ (( العرق دموع الجسد ) )! قال لي وهو يجثو بجانبي، وكان هذه الساعة جد جذلٍ.

(( ما أروع أن يحتضن الإنسان العالم من حوله. عن قمة الجبل ) )! ظل زاهي النفس منشرح الصدر، بهذا (( القرب ) )الذي خيل إليه أنه يحتضن به العالم، ويعيشه بكل طاقة شعوره وجوارحه.

أردف:

ـ (( هنا أتملى هذه الطبيعة المنفردة بجمالها، وما فوق هذه الطبيعة. وما وراء تلك الزرقة العالية، و ) ).

وتكلم عن وقوف الزمن وبطلان دورانه، في مثل هذه اللحظات من البهاء. واستشهد بـ (( نص ) )من ثقافته: قال (غوته) ، بلسان (فاوست) ، وهو في أقصى درجات الحب: (( قف أيها الزمن، ما أجملك ) )!... وبعد أن أخذ نفسًا: (( وفهمك كاف ) )

ثم أعفاني، بإشارة من رأسه، لأكف عما يؤكد ثقته بي من الكلام. وذلك من أجل أن ينصرف إلى طقوس صمته التي يمارسها عادة، في مثل هذا الانفلاش الروحي. فالصمت لديه نوع سامٍ من التهجّد ومناجاة الله. يمتد به في أعماق روحه بشكل سمت (( قنوت ) )، وبوسم لغة داخلية. تناغي القلب، وتهفو لتكلم عالم النفس عبر إيحاءات هامسة من اللون الأزرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت