فهرس الكتاب
كان بودي أن أعلمه ما حدث لي. ذات مرة وأنا أصعد الجبل. فيفرح لي. بلى قد حزتُ برفقته على قدر قليل مما هو عليه. نعم، وصرت عرضة لأتلقّى (شبه) اتصالاتٍ. من خارج هذا الكوكب المحدود! توقفت لحظتئذ. وأصغيت. لم يرد إلى أذني الخارجيتين. صوت ناي قادم من مرعىً. بل تردّد في أغواري. أرهفت جوارحي لالتقاط عزفه الرائع، الذي راح يتسلل إلى نفسي... ويعتمل في كياني، بمشاعر ناعمة فائقة.
يا لفرحتي يا لسعادتي!
قلت هذا هو ندائي. جاءني اليوم، كهاتف داخلي بلحنه المشتهىورحت أنشط بهذه الموسيقى وأصغي إلى آثار أنغامها، وهي تعزف في ثنايا أعماقي.. حتّى أخالني أطير بخفة متناهية، على أجنحة ذاك الناي الخفي، الرقيق. وقد غُمِرْتُ بموجاتٍ محيطية أثيرية. لها وقع خاصة من انبهار المشاعر واندهاش الروح.
واشتعلت بحيوية نبيلة، لا مثيل لها في حياتي. أيمكن أن أخطو، بقدمي صعدًا، في معارج الفضاء الحقيقية، بوساطة موسيقاي هذه؟
....بلى. كأن ضاق بي المعبد بقمّة جبله، وأجدني صرت شخصًا مملوءًا بالصفاء والأفكار الزاهيةهل أدفع بقوة الروح لأقف على حافة (( شطحة ) )مثله؟
ثمَّ لا أدري كيف رأيت نفسي وأنا أضع يدي بيده، بمصافحة حارة حميمة... حتمًا تسللت إليه نوازعي النّيرة...
بش وجهه بغبطة: (( يحصل ذلك للمريد، عندما يكون على طريق الانصهار (( بقضيته الكبرى ) ).
ولكن مازلت مشحونًا في عالمي الداخلي. فنطقت: (( والموسيقى ) )؟
ـ (( الموسيقى إحدى موجودات الجنة الموصوفة. تأتي إلينا كنداء من العالم الآخر. ) )
ـ (( يعني... ) )
ـ (( يعني هي بجوهرها السامي ـ تؤجج فينا الأحلام. وتجدد المنى والرؤى وسائر الخيالات العذبة... ) )
ليتني أبقى أبكم. وتتكلم في داخلي الموسيقى...
لا أدري، كم مضى من الوقت، بعد أن استوى بجلسته؟
سمعت منه: (( هذه هي عادتي في خلوتي... علني استزيد استشعارًا وأنسًا بـ (( الوجود ) )ومناجاة (( الحق ) )... ))
ثمَّ أعلمني مرة ثانية أنه يعتزل الحياة العامة يوم الجمعة بالبتة، ليختلي بنفسه، في غرفة الجمجمة هذه. وأما بقية أيام الأسبوع ينصرف فيها لحلّ قضايا الناس.