فهرس الكتاب
وأكد: ما زال يشتغل بالسياسة في (( قميصه ) )هذا، كمذهب له، في العبادة والزهد، ونوع خاص من ممارسة علمية نسكية. تؤدي ميدانيًا في حلبة الحياة. وذلك من أجل القرب إلى الله تعالى ولهذا لم ينتبذ الحياة الاجتماعية. (( بل أشعر بنفسي أفضل، عندما أثابر على المعارضة في الدولة والحكومة، للدفاع عن المظلومين، ولإحلال الحق والعدل ) ).
(( منذ خمسين سنةً وأنا أعمل في (( جيل القصر ) )، لرفع الظلم والحيف، عن طبقات الشعب الفقيرة. طالما نصيبنا حضارةٌ ماكرة النوع. من هذه الحياة الدنيا... )) ...
وسكت بعد أن أسند صدغه بأصابعه، كعادته. وأغمض عينيه، هذه المرة وغاب من عالمه الظاهري بل غاص في أغواره، كمن يدخل في عالم سري. ليغمره فيض روحه، ونور عقله. وزكاء قلبه. وهو يبذل كل ما يستطيع من ابتهالٍ إلى مولاه الكريم.
ثمَّ أراني أغمض عيني مثله بالعدوى. ولكن شتّان ما بين إغماضي وإغماضه، في سياحة التجريد والتنزيه للذات القدسية. وعبور معارج الخير والجمال في رحابهاْ (( الإنسان في حقيقته هيولي خالصة. تنزع لتذوب في مراقي هذا الكون الفسيح الرائع، وتلتحم مع الذات المطلقة ) )...
وراح يشرع معنى هوية الإنسان التي هي جزء لا يتجزأ من هوية الوجود. (( أشعر بوجودي أنني موجود إذا ما تأكدت أنني أحد موجودات هذا الوجود. فأنا جزء منه، تابع له، كما تتبع الدقائق والجسيمات ذراتها، وتشكل معًا كلًا واحدًا...
(( إذن الوجود الثابت الحقيقي هو للموجد الخالق الأعظم. واجد الوجود بقدرته العلوية المطلقة، أمَّا الوجود الظل فهو للإنسان وسائر المخلوقات ) )
وتابع يفيض بفلسفته الشاقة. (( في الأزل فاض الوجود عن ذاته. كما تفيض الشمس بالنور. وبعد أن وصلت ذروة التراكيب والدوائر في تطورها ـ طبعًا ضمن الوحدة الكونية ـ إلى الإنسان. كرم هذا المخلوق الذروة بنور العقل المستمد من النور الشعشعاني الأسمى. فوجب عليه مسؤولية الاختيار في الحياة، بموجب هذا التكريم... ) )ثمَّ رأيته قد اغتمّ. فجأة، وأخذ يندب (( أسره ) )في هذا القصر، وفي جسده أيضًا، ليربأ بنفسه الزكية إلى (( فوق) عن أوشال مستنقعات عالم الـ (( تحت ) )وأوضح أن الخلاص من رباق هذا الأسر. لا يمكن إلا بنيل حرية الخير التامة التي تتحرّر من عطالة القيود الطارئة، لتتسع وتتسع. وكأنها تسعى لتملأ الكون وتغمر العالم.
(( فالحرية هي الشرط الشارط، لكل اختيار عمل، في هذه الحياة ) )....