فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 1574

ألاح برأسه وتابع بلهجة حارة، كأن اشتعلت بها شفتاه: (( ....نعم... لهذا أجدني أقسم زمني إلى حياتين: الحياة الخاصة، أمارس فيها طقوس عبادتي، وتأملي، وتمارين اليوغا، وقراءاتي من نشيد وشعر وحكمة وسير المفيدين... والحياة العامة، أكرسها للمجتمع والناس والدولة وكتابة المقالات والمحاضرات والاجتهادات في منطلقات الحزب. وكتابة افتتاحية جريدته. ثمَّ دراسة الاعتراضات وعرائض شكاوي المواطنين وتقديمها للحكومة والمسؤولين في الدولة...

لم أعد أسمع

قلت والإشفاق يهزني (( ألا يوجد وارث لأبينا آدم غيرك؟ ) ).

انفجر بضحكة لم أسمعها منه من قبل، ثمَّ نطق: (( انظر ) ). نظرت أغمارًا من الأوراق والأضابير والمصنفات مركونة هنا وهناك في زوايا البهو، وعلى الطاولة والأرائك.

همست في نفسي: (( رجل يعيش خارج الزمن ) ).

أجاب فورًا دوامتي هذه عسل روحي. ومعارضتي جهادي وعبادتي. ونصرة الجوعى تسبيحيتي التي أسبح بها الخالق جل وعلا )) .

سكَتَ.

ـ (( العالم ) )؟ / نطقت هذه الكلمة دون أن أدري لماذا؟

ـ (( العالم سيصدقني ) ).

ـ (( أنا من جهتي صدقتك ) ). / فطنت أنني عدت لسياق والكلام.

ابتسم.

ثمَّ قال: (( في النهاية تكمن النتيجة ) )

ـ (( الآخرة، يا فاخرة ) ). / أجبت

ازداد اتساع عينيه. وقهقه حتّى بانت آخر نواجذه:

ـ (( هذا مثل حقيقي ابتدعه الناس من معمعة الواقع ) )...

نفخ وتابع: (( كل شيء عدا الحياة الآخرة فان، أنت فانٍ أنا فان ـ قبل أن يعلن أرسطو هذا القانون.... ) )

ثمَّ نفخ ثانية: (( كنت قد كمنت في هذا الجسد ، ودام كموني طويلًا، مكثت فيه قرابة الستين سنة، من السنين التي تصنعها الشمس حولنا.

ـ (( وها أُراني سأترك هذا الجسد، بعد عدة سنوات، وأرحل.... ) ).

رأيته يترنح في البهو. كأن الموت يقدم له أوراقه الثبوتية.. )) .

همست: لأتركه سابحًا في (( صعوده ) )العذب هذا. يجنح حيث تهيم روحه في عليائها... إبْيه...‍‍!

كم ظهر لعين خياله، من مفاتن لا تحصى في هذه اللحظات الدافئة.. )) !

عاد إلي، ونطق: (( أجدينها سكرى هناك بمناظر الزنبق والليلك والريحان والياقوت والمرجان و.... ) )

سكت وأغمض عينيه، وهو ما زال يكردح أمامي. استعرضت مشواره في عالمه الخارجي، ونشاطه الجاد...

أقبل عليّ رافعًا يده:

ـ (( هذا أوان الجد، فاشتدي زيم... ) ).

ثمَّ زفر وتابع:

ـ (( نعم... نعم يسمونني بالمشاكس الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب...

ـ (( نعم.. سأبقى معارضًا سأبقى هكذا إلى أن يأزف وقت الرحيل...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت